مؤسّسة أكاديميّة بحثيّة فكريّة مستقلّة، غير حكومية، غير حزبية، تسعى للمساهمة في بناء حاضر ومستقبل سوريا

كيف تجلب روسيا الدول العربية إلى صفها على حساب واشنطن

14

يتابع خبراء البنتاغون بقلق ملحوظ تسرب روسيا والصين إلى شرق البحر الأبيض المتوسط والاقتراب من الخليج العربي، في الوقت الذي تدرس فيه مصر السماح لروسيا باستعمال أجوائها، واحتمال منح السودان قاعدة عسكرية لموسكو، إضافة إلى بدء التواجد الصيني في المنطقة القريبة من البحر الأحمر عبر قاعدة جيبوتي، التي دشنتها خلال الصيف الماضي.

وتتوالى المعطيات العسكرية المقلقة للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط عموما، رغم تراجع أهمية المنطقة في مخططات المؤسسة العسكرية الأمريكية، لكن سرعة التطورات تبقى مفاجئة وغير مرتقبة. وتبرز مراكز التفكير الاستراتيجي الأمريكية هذا القلق في دراسات وأبحاث متتالية.

في هذا الصدد، لم يستوعب الأمريكيون حتى الآن مخططات تركيا، بزعامة الرئيس طيب رجب أردوغان بشراء منظومة الصواريخ المتطورة أس 400. ويسود الاعتقاد وسط دوائر صنع القرار العسكري في واشنطن بأن روسيا قد تكون حصلت على تسهيلات عسكرية غير معلن عنها مقابل هذه الصفقة. ومنطقيا، لا يمكن لروسيا توقيع صفقة ذات طابع تجاري محض مع تركيا بشأن الصواريخ، إن لم تكن قد حصلت على تسهيلات عسكرية وتنسيق استراتيجي، لأن موسكو ليست بحاجة إلى مبلغ ملياري دولار (قيمة الصفقة). في الوقت ذاته، صواريخ أس 400 من الأسلحة الاستراتيجية جدا، التي تعدل أو تقلب موازين القوى، وعليه، يخضع بيعها لشروط وتسويات تكون في الغالب سرية، لاسيما وأن تركيا تعتبر عضوا في الحلف الأطلسي. وعلاوة على صفقة الصواريخ لتركيا، لم يأخذ الكثيرون بعين الاهتمام زيارة رئيس السودان عمر البشير إلى موسكو منذ أسبوعين، واستقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين له بشكل لائق للغاية، رغم ملاحقة المحكمة الجنائية الدولية له. فقد رافق هذه الزيارة إعلان الخرطوم نيتها منح روسيا قاعدة عسكرية تطل على البحر الأحمر. ويأتي العرض السوداني إدراكا من هذا البلد بحاجة روسيا لقاعدة عسكرية تكون قريبة جدا من الخليج العربي، وتطل على المحيط الهندي، وتؤّمن لها حضورا مستمرا لضمان تواجد قوة وإمدادات في حالة نشوب أي نزاع في المنطقة. كما يأتي العرض السوداني في وقت ما زال الغرب ينبذ البشير ويصر على محاكمته، ولا يرغب في احتضانه من جديد.

وسيشكل توفر روسيا على قاعدة عسكرية على شواطئ السودان، بعدا استراتيجيا كبيرا للغاية، فستكون قريبة من قناة السويس وقريبة من الخليج العربي، وهذا يجعل منها دولة قادرة على التأثير في الملاحة العسكرية والتجارية الدولية، وتغيير الكثير من الموازين، فهي تتواجد بقوة في سوريا، خاصة في قاعدة طرطوس، وهذا يعني قربها من قناة السويس، وفي حالة تواجدها في  السودان، سيجعلها تحضر في البوابة الجنوبية للقناة عبر البحر الأحمر، وفي الوقت ذاته، قاعدة عسكرية روسية في السودان سيترتب عنها التقليل من تأثير القواعد الفرنسية والبريطانية والأمريكية المنتشرة في المنطقة. وما يميز روسيا عن الولايات المتحدة، هو أنها عندما تقيم قاعدة عسكرية في دولة ما، فهي تحاول مد هذه الدولة بالصناعة العسكرية، ولو بشكل  محدود لصنع الدخائر الحربية. وتهدف السودان من وراء القاعدة العسكرية، ضمان الدعم الروسي لتجنيب السودان التقسيم والتفتت مستقبلا، كما حدث مع الجنوب. ويتحدث الرئيس السوداني عمر البشير كثيرا هذه الأيام عن مخططات غربية لتقسيم السودان إلى دويلات. والمعادلة هي: قاعدة روسية يساوي تجنب التقسيم، لأن القاعدة العسكرية تعني الدعم السياسي الروسي في مجلس الأمن، كما تعني الدعم العسكري اللامشروط للحفاظ على الخريطة السياسية السودانية من دون تغيير. ومن ركائز الفكر الجيوسياسي الروسي حاليا هو عدم المس بالخرائط السياسية للدول، وتعلن موسكو معارضتها الشديدة للتقسيم، وتناهض مطالب الأقليات بالانفصال وتأسيس دول جديدة.

ودائما في إطار المعطيات الجيواستراتيجية الآخذة في التبلور وتستحق الاهتمام، يأتي الإعلان الروسي عن وجود مباحثات مع مصر من أجل استعمال سلاح الجو الروسي أجواء هذا البلد العربي. والإعلان عن هذا المعطى لا يعد استثنائيا، فقد رفعت مصر من صفقات الأسلحة الروسية خلال السنتين الأخيرتين، وكأن الزمن عاد إلى حقبة الناصرية، عندما كان الزعيم جمال عبد الناصر يقتني سلاحه من المعسكر الشرقي، وعلى رأسه الاتحاد السوفييتي. وتسعى مصر إلى تقديم خدمات عسكرية لروسيا رغبة منها في الحصول على أسلحة متطورة من جهة، والحصول على الدعم الفني والتقني المناسب لتطوير صناعة أسلحتها، بعدما أدركت عدم مساعدة الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة لها في هذا الشأن.
هناك عاملان يساعدان روسيا في بلورة استراتيجية الحضور الجديد في الشرق الأوسط، الأول وهو قرار الولايات المتحدة الانسحاب التدريجي من منطقة الشرق الأوسط لصالح منطقة المحيط الهادي، لاسيما بعد تحدي كوريا الشمالية، ومحاولة احتواء الصين. والعامل الثاني هو بدء الدول العربية العمل على تحالف قوي مع روسيا بعد ما تبين أنها لا تتخلى عن حلفائها الاستراتيجيين، كما نرى ذلك في الحالة السورية، حيث نزلت بكل ثقلها السياسي والعسكري، ليس محبة في الرئيس بشار الأسد، بل لكي تحافظ على وجودها في قاعدة طرطوس، فالأخيرة تؤّمن لها حضورا مزدوجا في الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط. ومقابل الثقة في روسيا، تراجعت ثقة الدول العربية في الولايات المتحدة، لهذا تحولت موسكو خلال سنة 2017 إلى مكة السياسية لعدد من الرؤساء والملوك العرب بمن فيهم العربية السعودية.

  • اسم الكاتب:حسين مجدوبي
  • المصدر:القدس العربي
تعليقات