مؤسّسة أكاديميّة بحثيّة فكريّة مستقلّة، غير حكومية، غير حزبية، تسعى للمساهمة في بناء حاضر ومستقبل سوريا

خرافة «الحل اليمني» في اليمن وفي سوريا

15

قبل ما يزيد عن خمس سنوات، في 19 أيار/مايو 2012 تحديداً، نقلت وكالة رويترز عن قمة رؤساء دول مجموعة الدول الصناعية الثماني (كانت روسيا آنذاك تُدعى للاشتراك في لقاءات مجموعة الدول السبع) المنعقدة في كامب ديفيد، إن الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما أكّد لزملائه أنه يؤيد حلاً للنزاع السوري يستوحى من النموذج اليمني. وبعد ذلك بأسبوعين، بتاريخ 26 أيار/مايو، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تقريراً عن المساعي الدولية لإنهاء النزاع المذكور تحت عنوان «تأمل الولايات المتحدة أن إزاحة سهلة للأسد ممكنة بمساعدة روسيا».

حسب تقرير الصحيفة الأمريكية، فإن دميتري ميدفيديف، الذي حضر قمة كامب ديفيد بصفته رئيساً للوزراء بعد أيام قليلة من نهاية تولّيه رئاسة روسيا لمدة أربع سنوات بنيابة غير رسمية (وبالغة النفاق) عن فلاديمير بوتين، الرئيس الفعلي للبلاد بدون انقطاع منذ عام 2000، إن ميدفيديف ذاك إذاً عبّر عن استعداد موسكو لمناقشة السيناريو اليمني خلافاً لأي سيناريو يقوم على إزاحة بشّار الأسد بالقوة. بيد أن التقرير ذاته أضاف: «يقول المشكّكون إن دافع انفتاح روسيا على النموذج اليمني ليس رغبة ما في إزاحة السيد الأسد بقدر ما هو الحؤول دون عمل عسكري بقيادة أمريكية».

ومن الواضح تماماً اليوم أن المشكّكين كانوا على حق. فقد تجلّى أنه لم يكن في نيّة موسكو في أي وقت أن تساهم في إزاحة الأسد من الرئاسة، بل كانت تسعى وراء تدعيم نظامه وهي توحي لواشنطن بأنها مستعدة لإزاحته كي تقوّي وهم أوباما بإمكان حل النزاع السوري مثلما تمّ «حل» النزاع اليمني (حسبما ظنّ السذّج في ذلك الحين)، بل استخدمت موسكو الحيلة ذاتها في حصولها على ضوء أخضر أمريكي لتدخّلها العسكري المباشر في النزاع السوري بدءًا من خريف 2015، وهي توحي لواشنطن بأنها سوف تحدّ من النفوذ الإيراني على دمشق وتخلق ظروفاً ملائمة لحلّ تفاوضي يتضمن تنحّي بشّار الأسد عن الرئاسة السورية بمبادرة روسية، مثلما تنحّى عليّ عبد الله صالح عن الرئاسة اليمنية في شباط/فبراير 2012 بموجب «المبادرة الخليجية» التي وقّع عليها وابتسامة عريضة ترتسم على وجهه، وكان ذلك في تشرين الثاني/نوفمبر من السنة السابقة، سنة «الربيع العربي».

تذكّرنا اليوم خرافة ضرب «الحل اليمني» مثالاً عن التسوية الناجحة بتلك الأيام السابقة لاندلاع حرب لبنان في عام 1975 عندما كانت «الصيغة اللبنانية» تُضرب مثالاً عن التعايش السلمي الأنيس بين الطوائف!

والحال أن المرء لم يكن بحاجة إلى قدرة خارقة على التنجيم لإدراك حتمية انهيار «الحل اليمني» المبني على قبول عليّ عبد الله صالح بالتخلّي عن منصب رئاسة الجمهورية وهو يحتفظ بكل مناصب السلطة الأخرى التي كانت بين يديه. وقد كان محتماً أن المخلوع سوف ينتظر أول فرصة يستطيع من خلالها السطو مجدداً على حكم البلاد المركزي، حتى لو كلّف الأمر تدمير البلاد بأسرها شعباً وتراباً.

ولو قامت إدارة أوباما بالوقوف بحزم إلى جانب المعارضة السورية الرسمية (المجلس الوطني) في عام 2012 لأفلحت ربّما في تكرار «الحل اليمني» في سوريا، لكنّ مآل ذلك كان سوف يكون حتمياً انهيار الحل المذكور بعد حين وإعادة سقوط البلاد في جحيم الحرب على غرار ما حصل في اليمن. فإن آل الأسد كانوا سوف يترصدّون أول فرصة سانحة للانقضاض مجدداً على الحكم المركزي على غرار ما فعله آل صالح في اليمن وبقوة أعظم إذ أن سيطرة آل الأسد على القوات المسلحة السورية أكمل مما كانت عليه سيطرة آل صالح على القوات المسلّحة اليمنية.

وكيف بالشروط التي باتت تشكّل اليوم سقف صيغة التسوية السورية التي تحظى بأوسع إجماع دولي، ألا وهي حكومة انتقالية تحت رئاسة بشّار الأسد؟ كيف بمثل هذه التسوية تصمد في المدى الطويل وتكون أكثر من مسرحية يقوم بها آل الأسد كي يلتقطوا أنفاسهم قبل الانقضاض مجدّداً على شتى أطراف المعارضة (على الأرجح باستفرادها طرفا بعد آخر وفق وصفة «فرّق تسُد» المعهودة)؟ وعلى أي عاقل يمكن أن تنطلي حيلة قبول آل الأسد بمنح بعض المعارضة بضعة كراسٍ في حكومة انتقالية لن تكون انتقالية سوى إلى استفرادهم بالحكم من جديد وبشروط أفضل (في تقديرهم)؟ وكيف بمثل هذه التسوية تُقنع المهجّرين بالعودة إلى مناطقهم وديارهم في ظل حراب السلطة وميليشيات حلفائها حيث هي مسيطرة وحراب شتى أطراف المعارضة المسلّحة في المناطق الأخرى؟
الحقيقة الساطعة هي أن لا حلّ للنزاع السوري يستطيع أن يصمد ويؤدي إلى إعادة تركيب أجهزة الدولة على أسس ديمقراطية إلّا بقوة خارجية تسهر على حفظ السلام وعلى فرض مراعاة التسوية للأسس المذكورة. وبكلام آخر فلا حلّ مستديما للنزاع السوري، أو بالأحرى لا أمل في حلّ مستديم (إذ ليس من تسوية مضمونة النجاح مهما تكن)، إلّا بانتشار قوات حفظ سلام دولية على امتداد الأراضي السورية تحت إشراف الأمم المتحدة وبموافقة طرفي النزاع السورييْن الرسمييْن، مع خروج كل القوى المسلحة الأجنبية التي دخلت سوريا بعد عام 2011. وكل ما عدا ذلك كناية عن تسوية سلمية أبرز المشاركين فيها ذئاب، أي تسوية لا فرصة لها بالنجاح إلّا بأعجوبة تُحوّل الذئاب إلى نعاج.

بقلم: جلبير الأشقر

تعليقات