مؤسّسة أكاديميّة بحثيّة فكريّة مستقلّة، غير حكومية، غير حزبية، تسعى للمساهمة في بناء حاضر ومستقبل سوريا

التفويض السياسي بعد العسكري في لقاء بوتين ـ الأسد

11

في تشرين الأول (أكتوبر) 2015، حين كانت القاذفات الروسية تستكمل هبوطها وانتشارها على مدارج مطار حميميم العسكري، جنوب شرق اللاذقية، شاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عقد لقاء مباشر مع الرئيس السوري بشار الأسد، لإبلاغه بأغراض موسكو من التدخل العسكري لصالح النظام. وكان اللقاء بمثابة تعاقد حول المستقبل المنظور والبعيد معاً، واقتضى أن يقدم الأسد بموجبه تعهداً أقرب إلى تفويض شامل لوزارة الدفاع الروسية، برهنت على حسن الالتزام به سنتان ونيف من العمليات العسكرية الروسية على أرض سوريا وفي أجوائها.

ومساء الإثنين الماضي شاء بوتين تكرار اللقاء المباشر مع الأسد في سوتشي، ليشدد على ما كان وزير خارجيته سيرغي لافروف قد صرّح به سابقاً، من أن التدخل الروسي هو الذي أنقذ النظام حين كانت دمشق على وشك السقوط، ولكي يُسمع جنرالات الجيش الروسي آيات المديح والامتنان من فم الأسد شخصياً. ومن جانب آخر أراد بوتين الإعلان عن أنّ «مهمة» مكافحة الإرهاب قد أوشكت على الانتهاء، و«حان الوقت للانتقال إلى العملية السياسية» في سوريا.

الزيارة استغرقت أربع ساعات ولم يُعلن عنها إلا على الموقع الرسمي للكرملين، صبيحة اليوم التالي. ولكن تلك الساعات اليتيمة كانت كافية لكي يتلقى الأسد الرسالة واضحة صريحة، حول المرحلة المقبلة من استحقاقات روسيا في سوريا، أي حيازة تفويض شامل سياسي هذه المرة، يحمله بوتين إلى قمة سوتشي الثلاثية التي ستجمعه مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الإيراني حسن روحاني. وهو كذلك تفويض للكرملين ببحث «التسوية السياسية والسلمية على الأمد الطويل» مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقادة قطر والعراق والسعودية ومصر والإمارات والأردن، كما أعلن بوتين نفسه.

لكن واقع الحال على الأرض لا يطابق احتفاء بوتين بمهمة عسكرية توشك على الانتهاء، إلا إذا كان الرئيس الروسي يقصد التلميح إلى أن هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» كان هو الهدف الاستراتيجي وراء التدخل الروسي في سوريا. وهذا افتراض خاطئ ومضلل، لأن عمليات الجيش الروسي استهدفت فصائل المعارضة في المقام الأول، وساندت ما تبقى من وحدات جيش النظام التي لم تقاتل التنظيم إلا خلال الأسابيع القليلة الماضية.

كذلك جربت موسكو الشروع في تسويات سياسية وتفاوضية، سواء من خلال ما سمي «مناطق خفض التصعيد» في حمص وإدلب والغوطة الشرقية والسويداء، أو على امتداد سبعة مؤتمرات شهدتها أستانة تحت إشراف روسي مباشر، وانتهت جميعها إلى نتائج عجفاء أو معاكسة. هذا بافتراض أن الأسد ما يزال يقبض على أعنة السلطة كاملة في سوريا، بما يمكنه من فرض أية تسوية على مراكز القوى داخل نظامه. أو بافتراض أن الأطراف الأخرى، من التنظيمات الجهادية والفصائل والميليشيات المختلفة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، سوف تتلاقى مع أي «عملية سياسية» يتوصل إليها الكرملين في قمة سوتشي الثلاثية.

والأصل في المسألة هو ثورة الشعب السوري ضد نظام استبداد وفساد عائلي وراثي يواصل حكم سوريا منذ 47 سنة، وأي مقاربة لتسوية سياسية لا تبدأ من هذا المعطى الجوهري سوف تنتهي إلى وضع عالق، وفشل ذريع.

  • اسم الكاتب:رأي جريدة القدس
  • المصدر:القدس العربي
تعليقات