مؤسّسة أكاديميّة بحثيّة فكريّة مستقلّة، غير حكومية، غير حزبية، تسعى للمساهمة في بناء حاضر ومستقبل سوريا

هل تخلع “تحرير الشام” البزة العسكرية وتلبس “الطقم” … وهل ينفع ذلك …!؟

14

اثبتت التجارب العملية على مدار سنوات أن تحرير الشعوب من الاستبداد لا يحققه الفكر المتشدد الذي تتبناه بعض التنظيمات التي تدعي إسلاميتها وتتولى بنفسها اسم الدفاع عن الشعوب باسم الإسلام ومن خلال العشارات الإسلامية التي تخالفها ذات التنظيمات في تصرفاتها، فتسيئ للإسلام أولاً قبل أن تسيئ لنفسها وتدمير بلداً وشعباً وتضيع أحلامه، في ذلك أمثلة كثيرة في أفغانستان والشيشان والعراق والصومال.

في الحراك الثوري السوري كان الأمر مختلفاً قليلاً لحين ظهور هذه التنظيمات التي تبنت حراك الشارع المدني ونصبت نفسها الوصي عليه وعلى ثورته، فبرزت عدة تنظيمات منها “الدولة في العراق والشام” و “جبهة النصرة” التي تبنت فكر القاعدة ثم انتهجت كلاً منها لنفسها فكراً خاصاً، لم يختلف لحد كبير عن الفكر الجهادي في العبارات والتصرفات والممارسات في المناطق التي تتواجد فيها وتسيطر فيها على كامل مقدراتها.

لعل اختلاف طبيعة الحراك السوري والصراع الذي نسب في وقت مبكر بين تلك التنظيمات دفع البعض منها للتقرب من الشعب أكثر ومحاولة الغوص أكثر بين الثوار والعمل على جذب الشباب السوري للانضمام لصفوفها حتى باتوا يشكلون غالبية مكوناتها ساعد لحد كبير في تغير مسارها والابتعاد عن فكر “القاعدة” لحد ما مع بقاء التأثر بشكل واضح بفعل وجود شخصيات مازالت متحكمة في مفاص القرار لدى جبهة النصرة ومن بعدها جبهة فتح الشام وآخرها هيئة تحرير الشام.

التغيرات التي طرأت على “جبهة النصرة” منذ عام 2012 حتى 2017 وتعدد التسميات التي أطلقتها على نفسها مع تعدد الرايات، في الوقت الذي استمرت فيه ذات التصرفات في محاربة فصائل الحر وكل من يرفض الخضوع لها، فنالت من 30 فصيلاً آخرهم أحرار الشام والتي كانت أقرب الفصائل توجها لها في مراحل عديدة من عمر الثورة، هذه التغيرات مع استمرار ذات التصرفات خلقت فجوة كبيرة بينها وبين الحاضنة الشعبية التي تراجعت عن تأييدها لفترات عديدة إبان أوج قوتها والمعارك التي أثبتت فعلياً أنها الأقوى فيها.

ولعل الشعارات التي أطلقتها تحرير الشام في كثير من الأحيان والأسباب التي روجت لها لإنهاء فصائل كثيرة كانت في تلك المرحلة محرمة ومن الكبائر، باتت هي اليوم من تمارسها وتنتهجها بعد أم ملك كل القرار العسكري في بقعة جغرافية كبيرة في إدلب وحماة وحلب واللاذقية، أيضا الجانب المدني الذي عملت على التفرد فيه وإقصاء الجميع فيه من مؤسسات مدنية تتبع للحكومة المؤقتة أو غيرها.

يبرر أنصار تحرير الشام هذا الانقلاب على الذات والشعارات التي أطلقتها سابقاً بأنها لضرورة المرحلة، مع ملاحظة تغير التوجه بشكل كبير للهيئة في الخطاب السياسي وفي الخطاب الداخلي تجاه الثورة والثوار واعتبار نفسها جزء من الثورة السورية وصل الأمر لرفع أنصارها علم الثورة السورية عبر حساباتهم وكثير من المواضع، بعد أن كان علماً علمانياً محارباً سفكت دماء لأجل رفعه.

اتجهت تحرير الشام بعد إنهاء الأحرار في تموز الماضي لخط سياسة وأسلوب جديد من الالتفاف بحسب البعض والسبب أنها أدركت نفسها باتت في مواجهة حتمية مع كل العالم وأن النهاية اقتربت، لم تنفعها كل التحولات التي قامت بها في شكلها واسمها وضم فصائل أخرى لها، كونها لم تستطع كبح جماح التصرفات والممارسات التي أوصلتها لهذا الحد من المواجهة.

هذا الاتجاه بعد إنهاء الأحرار كان كمحاولة التفاف على العالم والمجتمع السوري والثورة أيضاَ من خلال بناء كيان مدني كإدارة مدنية تطور لاحقاً لحكومة إنقاذ تحركها هي بشكل مباشر من غرف مظلمة، واختارت لنفسها شخصيات كواجهة مدنية تدير حكومة مدنية، ملكتها كل المؤسسات وكل ماهو في المحرر، طبعا هناك اتفاق ضمني بين الهيئة وتركيا لذلك مقابل دخول تركيا للشمال المحرر دون مواجهة، وتركيا طبعاً تعي ماتفعل.
لمسنا تشكيل حكومة الإنقاذ بدءاً من مبادرة الأكاديميين والدعم الذي قدمته تحرير الشام لها ولظهورها، والدفع الذي ساعدت فيها على تشكيلها، ولاننكر وجود شخصيات ثورية ومستقلة في الحكومة ولكن ليست صاحبة قرار أبداً والقرار الفعلي هو لمن يدير الدفة ممثلة بالدولة العميقة في هيئة تحرير الشام، أيضاَ التغيرات التي طرأت على الجناح الأمني في مدينة إدلب والبدء بتشكيل الشرطة العسكرية التي سيكون عناصر تحرير الشام نفسهم عمادها مع تغيرات في الأسماء المتصدرة وزج أسماء جديدة، كذلك الدفع لبعض المجالس الكبرى في سلقين وجسر الشغور لتشكيل مجالس تتبع للحكومة الجديدة علماً أن هذه المدن كانت وماتزال محرومة من أي مشاريع خدمة بسبب وجود القرار في يد تحرير الشام وقادتها العسكريين.

هذه التحولات الكبيرة التي تطال بنية تحرير الشام العسكرية مع رفض كبير داخل أروقة الهيئة لهذا التعديل وهذا النهج، يقوده العديد من القادة في الصف الأول والثاني لاسيما في قطاع البادية الرافض للحكومة بشكل مطلع ولهذا النهج الذي تتبعه تحرير الشام مدنياً، ترسم التحولات بداية تحول كبير لتحرير الشام بعد سلسلة تحولات سبقتها مع استمرار نفس الممارسات، فهل تكون هذه المرحلة بداية خلع البلدة العسكرية وتسلط القبضة الأمنية لتحرير الشام، تغيير كسابقه لمجرد تغيير البدلة العسكرية بالطقم المدني مع الحفاظ على ذالت القالب والتوجه والفكر …..!؟

ترسم التطورات الحالية تحدياً كبيراً في مدى نجاح هذه التجربة لتحرير الشام ومدى كونها لصالح المدنيين أو الثورة السورية أو أنها ستكون باباً كسابقاته للتغلب وتمكين القبضة في الحكم والإدارة وإنهاء الخصوم وتغليب المنهج ولكن بواجهة وقبضة مدنية تتحكم في مفاضل القرار أمنياَ ومؤسساتياً، ستكشف الأيام اللاحقة مدرى قدرة هذه الحكومة على التحرك والعمل فعلياً على تحقيق مطالب المدنيين ووقف ممارسات العسكر …

الكاتب:فجر الدين الأموي
المصدر شبكة شام

تعليقات