مؤسّسة أكاديميّة بحثيّة فكريّة مستقلّة، غير حكومية، غير حزبية، تسعى للمساهمة في بناء حاضر ومستقبل سوريا

معجزة في سوريا!

12

يحدث في سوريا الآن ما بدا للجميع قبل عامين ونيف أنه مستحيل. لم يكن متصوراً أن يستمر نظام الرئيس بشار الأسد، ويُعاد تأهيله دولياً وإقليمياً. أركان هذا النظام أنفسهم لم يتصوروا ذلك. كان أقصى طموحهم الاحتفاظ بمساحة صغيرة لا تتجاوز ثلث الأراضي السورية على الأكثر أُطلق عليها «سوريا المفيدة».

ولذا يبدو التغير الجوهري الذي حدث خلال نحو عامين أشبه بمعجزة. وتعبير المعجزة يُستخدم في الحالات التي يتحقق فيها ما كان يبدو مستحيلاً. وربما يصح استخدامه في الحالة التي نتناولها من زاوية أن مختلف مراكز التفكير وأجهزة المعلومات في العالم، إما توقعت سقوط نظام الأسد، أو رأته مُرجحاً على بقائه. لكنها راجعت تقييمها بشأن مستقبل سوريا، بعد التدخل العسكري الروسي وحسم واشنطن موقفها باتجاه التركيز في مواجهة الإرهاب.

غير أن تعبير المعجزة هنا يظل مجازياً، لأنه يرتبط بعوامل غير منظورة أو ليست معروفة. لكن بقاء نظام الأسد يعود إلى أسباب محددَّة ومعروفة مكَّنته من الصمود بعد أن فقد سيطرته على أكثر من ثلثي الأراضي السورية، وأتاحت له التحول من الدفاع إلى الهجوم، وإعادة ترتيب أوراقه على المستوى الدولي، وأدت إلى تغيير صريح أو ضمني في مواقف الدول التي أيدت مطلب إنهائه، إذ باتت الآن تقبل استمراره، إما في مرحلة انتقالية لم يتم الاتفاق عليها بعد، أو فيما بعدها أيضاً، بعد أن نجح في استغلال تصاعد الإرهاب وأعاد تقديم نفسه كشريك في الحرب عليه.

غير أن وضوح العوامل التي أدت إلى استمرار نظام الأسد لم يمنع خلط أوراق عدة في الجدل الدائر حول هذا الموضوع. فكثيرة مجادلات بعض أنصار المعارضة السورية عن خيباتها وإخفاقاتها، واتهامات هذه المعارضة لأطراف دولية وإقليمية ترى أنها خيَّبت آمالها، أو تخلت عنها، أو حتى خانتها. وكثيرة أيضاً الأوراق التي تُخلط في الجدل حول أدوار القوى الدولية والإقليمية التي ساندت نظام الأسد، فإيران تنسب لنفسها الفضل في بقاء نظام الأسد، في لحظة تسعى فيها إلى مراكمة ما تعده انتصارات تاريخية رغم أن أكثرها من نوع يحمل في طياته بذور انتكاسات لأسباب في مقدمتها هول التكلفة.

ومن هنا أهمية العمل على فرز الأوراق التي تُخلط في سياق الجدل حول بقاء نظام الأسد، وتدقيق العوامل التي ساهمت في استمراره، وأوزانها النسبية. ومهما قيل عن مساندة إيران والميليشيات التابعة لها التي لا يقل عددها عن الخمسين، والتدخل العسكري الروسي الذي قلب موازين القوى، لم يكن ممكناً أن يتغير المشهد جذرياً في سوريا من دون تصاعد الإرهاب إلى مستوى غير مسبوق جعله في صدارة أولويات القوى الدولية والإقليمية.

وليتنا نتأمل هنا السياق الذي تحول فيه تردد الإدارة الأميركية السابقة تجاه الأزمة السورية إلى قرار بعدم الانخراط فيها والاكتفاء بإدارتها، وتجميد الموقف الذي تبنته في بدايتها ضد نظام الأسد ليبقى شعاراً معلَّقاً في الهواء.

كانت التجربة المرة في العراق، خاصة على صعيد تصاعد الإرهاب وتوسعه عقب إسقاط صدام حسين، وراء تردد إدارة أوباما. وكان تصاعد الإرهاب، وتوسع تنظيم «داعش»، واحتلاله مساحات واسعة في سوريا والعراق منتصف 2014، وراء حسم هذا التردد باتجاه عدم الانغماس في الحرب السورية، وإعطاء أولوية مطلقة للحرب على الإرهاب منذ تأسيس التحالف الدولي في سبتمبر من ذلك العام.

وهذا هو نفسه السياق الذي جعل طريق روسيا إلى التدخل العسكري في سوريا في سبتمبر 2015 ممهَّدة تماماً. كان كافياً إعلان أن هذا التدخل يرمي إلى محاربة الإرهاب لإضفاء شرعية دولية ضمنية عليه، وخاصة في ظل عدم ممانعة واشنطن.

وإذا كان التدخل العسكري الروسي هو العامل الحاسم الذي غير ميزان القوى لمصلحة نظام الأسد، فما كان لهذا التدخل أن يحدث بسهولة إلا لتصاعد الإرهاب والتوافق الدولي الواسع على أولوية مواجهته. لم يكن سهلاً أن تتدخل روسيا عسكرياً بدون هذا التوافق على مواجهة الإرهاب. ولم يكن متصوراً أن يحظى تدخلها العسكري بقبول دولي واسع، رغم أنه فاقم المأساة الإنسانية في سوريا، وشجع أجهزة نظام الأسد وميليشيات تابعة لإيران على ارتكاب جرائم فادحة، في غياب إرهاب متوحش يدفع إلى التغاضي عن أي شيء في سبيل محاربته والقضاء عليه.

لقد تعددت العوامل التي حققت ما كان يدخل ضمن المعجزات، ولكن تصاعد الإرهاب هو العامل الرئيس الذي يتصدرها.

  • اسم الكاتب:وحيد عبد المجيد
  • المصدر:الاتحاد
تعليقات