مؤسّسة أكاديميّة بحثيّة فكريّة مستقلّة، غير حكومية، غير حزبية، تسعى للمساهمة في بناء حاضر ومستقبل سوريا

مدارس واتجاهات العلاقات الدولية في الإسلام

44

بسم الله الرحمن الرحيم

مدارس واتجاهات العلاقات الدولية في الإسلام

بدأ علم العلاقات الدولية كعلم ذي جذورٍ غربية أرتكز على الأفكار الفلسفية السياسية الكبرى للمفكرين الغربيين منذ القرن السابع عشر الميلادي وتطور حتى الوقت الحاضر عبر تحديث النظريات التي تبحث في علمٍ ذي جذورٍ وتفرعات مختلفة.

ومع تفرع وتشعب المدارس التي تبحث في النظرية السياسية للعلاقات الدولية والفكر السياسي المؤسس لها وإشكالياتها الغربية، إلا أن جهداً قليلاً انصب حول مفهوم ومنظور الإسلام للعلاقات الدولية.

وهنا لا بد من التأكيد أن هذه الورقة لا تهدف للتأسيس لنظرية حول منظور الإسلام للعلاقات الدولية بقدر ما تهدف لطرح تساؤلاتٍ وعرض اتجاهاتٍ ومدارسٍ تناولت هذا المنظور. كما لا بد من التأكيد أن عدداً من أبرز علماء العلاقات الدولية العرب قد أسس لما يسمى المدخل الإسلامي الحضاري لنظرية العلاقات الدولية في الإسلام ومن أبرزهم، د. حامد ربيع ود. ناديا مصطفى و د. سيف عبد الفتاح و د. منى أبو الفضل.

ولدراسة العلاقات الدولية من منظور تراثي إسلامي هناك نوعان من المصادر

الأول: مصادر تأصيلية (القرآن الكريم والسنة النبوية).

الثاني: مصادر بنائية (فهم المتأخرين لهذه المصادر وثنائية الفكر والفعل في حركيتهم وممارستهم السياسية).

فالمصادر التأصيلية أصلت للنظرية؛ بينما بنت المصادر البنائية الممارسة السياسية للدولة الإسلامية عبر مراحلها وتاريخها، وكيفية إدراك المسلمين لذاتهم وغيرهم والعلاقة فيما بينهم وفيما بينهم وبين غيرهم، وكيفية تطور هذا الادراك منذ أول دولة للمسلمين وحتى أواخر العصر العثماني.

ولكيلا نطيل، سنستعرض ثلاثة مدارس أصلت بأدلة أصولية لفهمها ومنظورها للعلاقات الخارجية مع الدول الأخرى

المدرسة الأولى تقول بأن أساس العلاقات الدولية في الإسلام هو الحرب، المدرسة الثانية تقول بأساس السلم كمدخلٍ ومؤسس للعلاقات الدولية، المدرسة الثالثة ترى أن الدعوة هي الأساس أما السلم والحرب فهي وسائل.

وتعود أسباب الاختلاف بين المدارس إلى طريقة فهم النص الأصولي من جهة، وإلى اختلاف المفسرين والفقهاء حول علاقة الأحكام المتضمنة في القرآن والسنة ببعضها البعض، إضافة لجدلية الناسخ والمنسوخ أو مجمل فقه الشريعة، والطبيعة المرحلية للأحكام أو الأخذ بآخر ما نزل أو وقع من نصوص أصولية. إضافة لنظرة كل مدرسة إلى العلاقة بين القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، فمنهجٌ يقوي القرآن بالحديث ومنهجٌ يقوي الحديث بالقرآن ومنهجٌ آخر يكامل ويسدد ويقارب.

وبالعودة لشرح أسس هذه المدارس الثلاثة، يتبين أن الاتجاه الذي يقول بالحرب يتمتع بأوصاف الاطلاق والثبات واللزوم ويأخذ من آية السيف منطلقاً لمنهجه.

أما اتجاه السلم فيرى أن مجمل فهم الشريعة يصب في تدعيم منهجه القائم على اللين والرفق. بينما يرى اتجاه الدعوة في الآية الخامسة والعشرين من سورة الحديد منطلق فهمه للعلاقات الدولية فجدلية الكتاب والميزان والحديد هي ما يحدد علاقة الدولة مع غيرها. فالدعوة إما ان تلقى القبول أو الاعراض أو الصد وفي حال القبول فقد تم التكليف وفي حال الاعراض تتوجب الدعوة من جديد، وفي حال الصد والايذاء يتوجب القتال.

أذاً، افترقت النظرة إلى علاقات الدولة مع غيرها إلى ثلاثة اتجاهات تؤشر إلى فهمٍ فقهيٍ مختلف حول قضايا تتعدى علاقات الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول. ومع أن كل مدرسةٍ من هذه المدارس تورد أدلتها التي تثبت أصولية (من النصوص القرآنية والسنة) توجهها.

فالمدرسة التي تقول بالحرب الدائمة اعتمدت فكرة إلغاء المتأخر من الأحكام لما قبلها منها، وأسست لفهمٍ واسع لفكرة الناسخ والمنسوخ. ووفق هذا المنهج لا فرق في أن يكون العدو قد اكتسب صفة العداوة بارتكابه عملاً عدوانياً مادياً أو التحضير لهذا العدوان وبين ان يكون قد اكتسب هذا الوصف بمجرد رفضه الخضوع للدولة الإسلامية وبقائه على غير دين الإسلام. وأدلتهم التي يوردوها تعتمد على فكرة الناسخ والمنسوخ وتفسير على ظاهر النص ومن أمثلة ذلك: أن الآيات {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }الأنفال61 و {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }العنكبوت46 الآية” منسوخة بقوله تعالى {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ }محمد35 وبآية السيف (سورة براءة) وبقوله تعالى {وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }التوبة36.ويفسرون قوله تعالى {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ }التوبة4 بأنه بعد انقضاء مدة العهد فلا عهد لغير مسلم وبالتالي فهم يخيرون بين الإسلام أو القتل.

أما المدرسة التي تقول إن السلم هو الأصل فينطلق أصحابها من أصلٍ محكم في الشريعة وهو ” لا إكراه في الدين” ويرون أن قوله تعالى { فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً }النساء90 هو أساس فهمهم لعلاقة المسلمين مع غيرهم. ويؤكدون منهجهم بتسلسل آية الاعداد{وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ }الأنفال60 بالآية التي تلتها مباشرة {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }الأنفال61. وقوله تعالى {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ }البقرة190 يدل على عدم جواز قتال من لا يعتدي، وأن الآية لا تقبل النسخ لأنها تنهى عن الاعتداء والاعتداء ظلم والظلم محرم. كما أن آيات سورة براءة تعدد أسباباً للقتال ليس من بينها القتال لمجرد الكفر، وهذه الأسباب هي نقض العهود ومبادأة المسلمين بالقتال…

ومع ذلك لا يرى أنصار هذا الاتجاه ترك الجهاد أو الاستعداد له بل يتوجب العمل على التقوي بكل ما يزيد قوة المسلمين ويردع أعدائهم ويساعدهم على النصر عندما تكون أسباب القتال واجبة.

المدرسة الثالثة ترى أن من لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله في الأرض لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه، وأما من تصدى لهذه الغاية ووقف عقبة دونها فقتاله واجب. وهذا القتال لا يكون لمجرد كفر أو شرك غير المسلمين، وإنما لإعلاء كلمة الله ونشر الدعوة، فإن تمت الدعوة باللين فهي أفضل الطرق وإن تم صد الدعوة والوقوف في وجهها توجب القتال. والقتال هو وسيلة للتخلية بين الناس (كل الناس) في الرض والدعوة بحيث يباشرون حرية الاعتقاد دونما إكراه في ظل غلبة الإسلام وظهوره كدعوة عالمية. وينطلق أنصار هذا الاتجاه في تأصيل منهجهم من قوله تعالى {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ }التوبة33 ومن قوله تعالى {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ }التوبة12ويشير تفسيرهم للآية أن أئمة الكفر هم من يمنعون الدعوة ويصدونها وقتاله يخلي بين الناس والدعوة لتنتشر حرية الاعتقاد.

وقوله تعالى{وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }يونس99 يدل على أن الدين هداية اختيارية وان واجب الدولة الإسلامية هو ضمان حرية هذه الاختيارية وتمكين الدولة وتقويتها حتى تستطيع القيام بهذه المهمة. فالدعوة هي الدافع والمحرك لعلاقات الدولة الإسلامية بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول، والجهاد (القتالي الصراعي والسلمي التعاوني) هو أداة إدارة هذه العلاقات.

إن استعراض توجهات ومدارس تأصيل علاقة الأمة (الدولة) الاسلامية مع غيرها من الدول (الأمم) لم يكن ليتم بغية تقييم هذه التوجهات في هذه العجالة وإنما ليبنى عليها دراسة واعية ومفصلة تنفض اللغط الذي يثار عن علاقة الأمة مع غيرها من الأمم، ولا بد أن يتصدى لهذا الجهد علماء الأمة بحيث تتم محاكمة هذه المدارس الثلاث في ضوء فهم الشريعة ومقاصدها ونصوصها وسنة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في تعاطيه مع الأمم والأقوام التي لمم تكن تدين بدين الإسلام، والأحكام التي قررها علماء الأمة السابقون ومقتضيات مصلحة الأمة.

“نقلًا عن مركز سوريا للدراسات والبحوث”

تعليقات