مؤسّسة أكاديميّة بحثيّة فكريّة مستقلّة، غير حكومية، غير حزبية، تسعى للمساهمة في بناء حاضر ومستقبل سوريا

مختطفون سوريون

13

بثت الفضائية السورية، في 19 فبراير/ شباط الماضي، برنامجا “وثائقيا” عن عائلات اختطفتها الجماعات الإرهابية المسلحة، ثم تم تحريرها (بعد ما بين ثلاث إلى خمس سنوات) من تلك الجماعات التي أجمع معظم الأهالي المختطفين أنهم كانوا غرباء من الشيشان والأفغان، وغيرهما، إضافة طبعا إلى “بعض السوريين الخونة”. وتم تصوير الحلقة في الهواء الطلق، أي في البرد، ومعظم الذين شاركوا فيها من النساء والأطفال. وكانت المُحاورة في قمة اللطف والتعاطف مع المخطوفين المحرّرين. لكن من عجائب الدنيا أن يتفق المخطوفون أنهم يهدون اختطافهم للوطن، وبعضهم قال إلى الوطن!

تعودنا أن نسمع أن الشهداء يهدون استشهادهم عن طريق شهادات أهاليهم إلى الوطن، فالشهادة في سبيل الوطن فكرة منطقية ومقبولة ويفهمها العقل. أما أن يُهدي المخطوف خطفه إلى الوطن، فأمر يجعل العقل يغادر الجمجمة، كما لو أن المخطوف يملك قرار اختطافه، كما لو أنه بطل لمجرد أنه خُطف. وتحدثت الأمهات المختطفات عن سنوات الخطف، وكيف كان الخاطفون ينقلونهم من قريةٍ إلى قرية، وكيف سجنوهم أشهرا في قرية سلمى الصغيرة ساحرة الجمال، والتي تحولت إلى ركام الآن، وبعد ست سنوات من الحرب القذرة لم يدفع ثمنها إلا السوريون.

سألت المُحاورة طفلا في العاشرة من عمره خطفته الجماعات الإرهابية، لمّا كان عمره ست سنوات، عن تجربته في الخطف، فقال إنه شاهد الخاطفين يذبحون أمه، وإنه عاش سنوات الاختطاف بأمل أن يحرّره الجيش السوري، فسألته المُحاورة إن كان قد تعلمّ شيئا طوال هذه السنوات، فقال لها إن الخاطفين علموه أن يحفظ القرآن. وحكت صبية في السادسة عشرة من عمرها إنها كانت مسؤولة عن إخوتها الأصغر منها، بعد أن رأت بأم عينها كيف ذبح الخاطفون أمها.

كان كل المختطفين يتكلمون كما لو أنهم في سرنمة، أو كأنهم منومون مغناطيسيا. وكالعادة (كما يجمع أهالي الشهداء من كل مدن سورية وأصقاعها على شهاداتهم ويزغردون فرحا لاستشهاد أولادهم)، أجمع الأهالي البسطاء من القرى الملتهبة بالصراع أنهم أهدوا إختطافهم للوطن، وكرّروا إلى ما لا نهاية عبارة الحمد لله، كما لو أنهم يهربون من فراغٍ موحش، ويثير ذعرهم فيما لو وعوه كاملا. وكان كل الأهالي المحرّرين من الخطف بعد سنوات يحكون بلهجتهم المحلية، أي يلفظون القاف قافا، وكل اللهجات مُحترمة، لكن الغريب أن المذيعة فجأة قررت أن تتكلم مشدّدة على حرف القاف، فكانت تلفظه مُشعرة المتفرج والسامع أن وزنه طن. ولم يفهم المشاهد لماذا بدأت الأسئلة والمقابلة مع المختطفين السوريين المُحررين بقاف عادية (بدل أن تقول قلم بتشديد لفظ القاف تقول ألم)، وفجأة قرّرت أن القاف تؤثر أكثر في الجمهور، أو ربما القاف في سورية تُحيي العظام وهي رميم.

هل يمكن لإنسان أن يتخيل رعب أن يعيش أطفال ومراهقون وصبايا بين أربع سنوات وخمس سنوات مع خاطفين مجرمين، وأجمع الجميع (المُختطفون) أن أشكالهم مُرعبة، لكن أيا منهم لم يصف لنا شكل واحد من أولئك. وليت أن مُعد البرنامج لقّن المُختطفين المُحرّرين وصف الخاطفين، كما لقنهم جميعهم العبارات نفسها أنهم يهدون اختطافهم إلى الوطن (!).

مهزلة الإعلام السوري أنه لا يبالي بأبسط قواعد علم النفس، ويتعامل مع طفل شهد ذبح أمه، ومر بتجربة خطف سنواتٍ، كما يتعامل مع تلميذ في المرحلة الابتدائية، يطلب إليه أن يكتب موضوع تعبير يصف الربيع. أيه مهزلة أن تشوّه المفاهيم إلى هذه الدرجة! وأن يُعتبر الاختطاف عملا بطوليا. وما أدرانا، فقد تتحفنا الإخبارية السورية قريبا بحلقة تبث في الهواء الطلق، وبدرجة حرارة تحت الصفر لفتيات تعرّضن للاغتصاب. وحسب المنطق الرسمي والإعلامي السوري، لا يُستبعد أن تهدي الفتيات اغتصابهن للوطن. مهزلة المهازل. كم كان الشعب السوري محقاً حين هتف من أعماق روحه: يا الله، ما إلنا غيرك، يا الله.

لو شاهد غابرييل ماركيز الحلقة التي بثتها الإخبارية السورية، لما استطاع أن يبدع روايته “خبر اختطاف”. يبقى على المذيعة اللطيفة والجميلة أن تفسر للجمهور لماذا قرّرت، في منتصف الحلقة، أن تتحول من لفظ القاف بطريقة معينة إلى لفظ القاف بكل ثقلها المُرعب.

اسم الكاتب:هيفاء بيطار
المصدر:العربي الجديد

تعليقات