مؤسّسة أكاديميّة بحثيّة فكريّة مستقلّة، غير حكومية، غير حزبية، تسعى للمساهمة في بناء حاضر ومستقبل سوريا

ماذا بقي من الثورة السورية؟

13

بعد مرور سبع سنوات على بدء حراكهم الثوري ضد نظام الأسد، يشعر كثير من السوريين بفقدان الأمل، فقد سُدَّت معظم أبواب دول العرب والمسلمين في وجوههم، كما تخلت عنهم غالبية الدول الغربية (الديمقراطية)، بعدما أوحت إليهم بالتضامن والتأييد. ومَن تجاوز الخطر منهم ووصل إليها أصبح منبوذًا مقهورًا يُعاني من ذلِّ السؤال وقهر الغربة، أما من لم يسعفه المال والظرف للنزوح فقد ظلَّ في وطنه مُهددًا بالموت قصفًا أو جوعًا، لكن مشهد السوريين أصحاب الثورة لا يقتصر على ذلك السواد الحالك، فهناك أيضًا أنوار سطعت ثم اختفت، وأخرى لا تزال مشتعلة واعدة بانتصار الثورة غدًا أو بعد غد.

عشرات من المنظمات الطبية والإغاثية والتعليمية مستمرة في عملها، داخل المناطق التي لا يسيطر عليها النظام، وهي تعتمد على منظمات سورية مشابهة في دول المهجر تمنحها “إكسير” الحياة، كما أن المشهد يزخر بتجمعات ثقافية وسياسية وحقوقية ورياضية حول العالم تحاول الوقوف في وجه قمع النظام ومموليه وداعميه من الميليشيات الطائفية العربية ومن الدول الأجنبية، وبالرغم من كم الإحباط الذي يعاني منه أهل الثورة، ينهض البعض منهم بمشاريع خلّاقة تُؤسس لمستقبل سورية الديمقراطية، مركز (حرمون) للدراسات المعاصرة مثلًا، والذي تفرعت عنه شبكة (جيرون) الإعلامية، ودار (ميسلون) للطباعة والنشر، وإنجازاته الكبرى في شتى ألوان الأدب والفنون والعلوم والدراسات السياسية والاجتماعية، ثم حركة (ضمير) التي استقطبت نخبة المثقفين السوريين الليبراليين مثال آخر، وكذلك ندوة (وطن) المستمرة دون كلل بعقد حلقات، يتحدث فيها مثقفون وعلماء سوريون عن مآلات الثورة وكيف تصمد وتستمر، إضافة إلى عشرات المواقع الإعلامية الاحترافية، ومئات الصفحات على الشبكة العنكبوتية التي تُغذي روح الثورة وتعد بانتصارها، وثمة تجمع جديد لتنسيقيات الثورة السورية في كل أنحاء العالم، يعيد الحياة لتلك التنسيقيات السلمية المنظمة التي قادت الحراك الثوري، خلال الأشهر الأولى من اندلاع الثورة، كما أن النوادي والمنظمات الثقافية والتعليمية السورية بدأت تتكون وتعمل في مختلف أنحاء العالم، وفي الداخل السوري وتحت القصف وفي ظل الحصار الخانق تنهض منظمة (شاين) للتدريب على الإدارة والمهارات العلمية في محافظة إدلب، كما تستمر جامعة حلب الحرة وفروعها في المناطق “المحررة”، وكذلك مدارس ومعاهد وإذاعات وصحف ورقية وإلكترونية في العمل، وتلك مجرد أمثلة عن أشباهها، وهي كثيرة متنوعة تُعبّر عن حيوية الثورة وقدرتها اللامحدودة على الحياة والأمل.

بهذا المعنى، يقول الكاتب السياسي إلياس خوري: “في ذروة التضحيات السورية، حين كان النظام الاستبدادي يحصد المتظاهرين بالرصاص؛ ارتفع صوت الثورة، كان الشبان والشابات يُقتلون، موتهم كان جزءًا من صيحة الحرية ويشكّل لغتها”. ويضيف خوري: “في الماضي نجح الأسد الأب في تأسيس دولة الصمت، عبر تحويل مذبحة حماة إلى عبرة ونموذج للرعب والخوف”.

أما بعدما تحولت سورية كلها إلى حماة؛ فإن تحويل شعب كامل إلى ضحية ليس سوى لحظة مؤقتة، فالذين خرجوا من تحت عباءة الضحية الصامتة واقتحموا الحرية، صنعوا أفقًا لن يستطيع أحد إقفاله، مهما كبر الألم وامتلأ الفضاء بهدير القتلة والمستبدين.

كاتب سياسي آخر اسمه حواس محمود يرى مآل الثورة هو الانتصار الحتمي، ويقول: “الصراع مستمر ودائم بين القوى الطامحة للحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وقوى الأنظمة الاستبدادية مع قوى التطرف الديني، وأيضًا مع قوى التدخل الإقليمي والدولي كإيران وروسيا، كما في الحالة السورية، إن المطالب العادلة للشعب السوري لن تثنيها عن الاستمرار بالمطالبة بها وتحقيقها على أرض الواقع آلة القمع، وهذا ما تسعى إليه غالبية القطاعات المجتمعية للشعب السوري، وبخاصة أن حاجز الخوف من سطوة الأمن وقبضة العسكر قد ذهب إلى غير رجعة، وأضحى الشعب غير هيّاب بتهديدات الأمن والجيش، بعدما تحمل السجون والمعتقلات الرهيبة وقصف الطيران والبراميل المتفجرة والكيماوي والمجازر وصواريخ السكود، وكل مخترعات الأسلحة التكنولوجية المدمرة للإنسان والبيئة.

الفيلسوف الفلسطيني/ السوري د. أحمد نسيم برقاوي حلل ظاهرة الثورة تاريخيًا، ومن خلال ما حدث في الواقع أيضًا: “الحقّ أن انفجار هذه المجتمعات (العربية)، عبر شرارة واحدة أشعلت الحقل كله، لم يكن إلا نتيجة طبيعية لصراع طبقي طويل، عبّر عن نفسه باحتكار السلطة للثروة والقوة، وصراع أخلاقي عميق بين سلطة تحطم القيم، ومجتمع يعاني من هذا التحطيم، كان الهدف الأساس لهذا الانفجار هو تغيير النظام السياسي، وإعادة بناء دولة الحرية والديمقراطية والمجتمع المدني والقضاء على مخلفات النظام السابق، لكن هذا الهدف النبيل الذي شكّل حُلم الانفجار قد نشأ في قلب انفجار المستنقع، أجل لقد انفجر المستنقع الذي ظنت السلطة أنه استقرار؛ فكان البركان خليطًا من النار والدخان والحمم، ومن كل ما كان يختزنه المستنقع من الفئات المثقفة إلى الفئات الرعاعية، كانت السلطة قد تركت إرثًا ثقيلًا من الدمار المجتمعي والاقتصادي والأخلاقي، ولهذا أخذ التاريخ يظهر على نحوين: تاريخ تراجيدي، وتاريخ مسخرة، شكّل الشباب وعقل الشباب التائقين إلى الحرية صورةَ التاريخ التراجيدي القائم على صياغة المجتمع المنشود في صورته الكونية.. دولة الديمقراطية والحق.. الدولة النقيض لدولة القمع واللاحقّ، فيما كانت القوى السلفية تحضر نفسها لإنتاج التاريخ المسخرة الذي هو استعادة صورة من التاريخ القديم ليصبح واقعًا. وهكذا عاش التاريخ ويعيش آلام الصراع بين المعقول واللامعقول، بين الإمكانية الواقعية والواقع وبين الوهم”، ثم ينتهي البرقاوي إلى القول: “أما من حيث معقولية التاريخ، فإن هذه المعقولية لا تتحقق إلا بتطابق بين الإرادة والإمكانية. وعندي أن جدل الإرادة والإمكانية أحد أهم عناصر النجاح في الحياة كلها، وفي السياسية بالضرورة. فقد حملت السلطات القديمة في أحشائها بذور فنائها،لأنها بالأصل قتلت العدد الأكبر من الممكنات المجتمعية، وتشبثت بواقع واحد وحيد لا ينطوي على قوة استمراره، فمن يحكم بالسيف فسيزول بالسيف، وعند التاريخ الخبر اليقين”.

بقلم: 

تعليقات