مؤسّسة أكاديميّة بحثيّة فكريّة مستقلّة، غير حكومية، غير حزبية، تسعى للمساهمة في بناء حاضر ومستقبل سوريا

كيف سيكون مصير الشرق الأوسط إذا ما سيطر عليه الروس؟

16

كانت العقيدة التي وضعها جيمي كارتر والتي حملت اسمه في الثمانينيّات من القرن الماضيCarter Doctrine ، الأساس الذي بنيت عليه سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بعده، الاستحواذ التملك والسيطرة التامة على المنطقة التي تزخر بالثروات الطبيعية على رأسها النفط والغاز، واستعمال كافة الوسائل بما فيها القوة العسكرية لضمان بقاء الشرق الأوسط في نطاق النفوذ الأمريكي، واعتبار أي تدخل لأي قوة أجنبية في المنطقة بمثابة تهديد صريح للأمن القومي الأمريكي.

لقد كانت نواة تلك العقيدة في الخطاب الذي ألقاه جيمي كارتر أمام الكونغرس ردا على التدخل السوفيتي في أفغانستان في الأزمة التي نشبت عام 1979، وأيضا إنذارا منه للسوفييت من مغبة أي محاولة منهم لبسط نفوذهم في الخليج العربي.

هذا زبيغنيو بريجينسكي، مستشار كارتر لشؤون الأمن القومي في تلك الحقبة يلخص العقيدة الكارترية حول الشرق الأوسط والخليج العربي في هذه الكلمات الصريحة: “ليكن موقفنا واضحا، فأي محاولة للسيطرة على منطقة الخليج “الفارسي” من جهة أي قوة أجنبية كانت، سوف نعتبره تهديدا للمصالح الحيوية للولايات المتحدة، وسوف نواجهه بكل الوسائل المتاحة و من ضمنها العسكرية”.

بعد ذلك بحوالي35  سنة من السيطرة المطلقة، كسرت روسيا هذا المبدأ عندما فاجأت المجتمع الدولي بتدخلها العسكري في سوريا عام 2015، الذي كان بمثابة عودة مظفرة إلى الشرق الأوسط منذ أن طرد الرئيس المصري الراحل أنور السادات الخبراء الروس عام 1972.

الاتحاد الروسي لم يعد يقنع بأقل من تقاسم النفوذ بينه وبين الولايات المتحدة في المنطقة، الأمر الذي يعد هزيمة مُقَنّعَة وغير معلنة في صراع النفوذ لحساب الروس

لقد ظلت الولايات المتحدة تتخذ قرارتها فيما يخص الأحداث في الشرق الأوسط بشكل منفرد و بمعزل عن المجتمع الدولي طيلة السنوات التي تلت الحرب الباردة، لكنها اليوم تجد نفسها مضطرة للأخذ في الاعتبار الفاعل الجديد في المنطقة، وهم الروس، فهم اليوم على خلاف ما كانوا عليه إبان حرب الخليج الأولى، عندما كانت روسيا في حمأة الانهيار تعاني من آثار تفكك الاتحاد وتدهور الاقتصاد وارتفاع التضخم، ووقفت موقف المتفرج حيال الغزو الأمريكي للعراق في حرب الخليج الثانية.

اليوم، أخذت روسيا صناع القرار الأمريكيين على حين غرة، فبعد أن كانوا يؤملون في الروس أن يضغطوا على نظام الأسد في سبيل تجريده من الأسلحة الكيماوية والدفع بعملية السلام بين الفرقاء السوريين على الأسس التي وضعتها الولايات المتحدة وعلى رأسها التخلص من بشار الأسد، تمكن بوتين من توفير الحماية العسكرية والسياسية للنظام السوري، وقامت الحملات العسكرية الروسية من خلال سلاح الجو بتعويض الضعف الذي لحق بالقوات السورية واسترجاع مساحات واسعة من الأراضي التي ضاعت منه في السنوات الأولى للحرب الأهلية بين النظام وفصائل المعارضة إلى جانب داعش، مما يدل على أن الاتحاد الروسي لم يعد يقنع بأقل من تقاسم النفوذ بينه وبين الولايات المتحدة في المنطقة، الأمر الذي يعد هزيمة مُقَنّعَة وغير معلنة في صراع النفوذ لحساب الروس، سواء اعترف الأمريكيون بذلك أم لم يعترفوا.

لا شك أن الولايات المتحدة في لحظة فارقة تراخت فيها قبضتها وانفلت منها الزمام، وهي نفس اللحظة التي استغلتها روسيا للإلقاء بثقلها في المعضلة السورية، كانت تلك اللحظة عندما رفضت الولايات المتحدة بقيادة باراك أوباما التدخل العسكري ضد الأسد في أوج الأزمة وأشد مراحلها حرجا، هنالك أضاعت الولايات المتحدة أكبر فرصة لإخراج الروس تماما من اللعبة، وارتكبت خطأ استراتيجيا قاتلا، وبات من الضروري الآن أن تعيد ترتيب أوراقها ووضع استراتيجية جديدة، والتدقيق في مداخل اللعبة الجيوسياسية التي تقودها قوى منافسة، ومراجعة العوامل التي أدت إلى انتكاس الموقف الأمريكي.

تاريخيا، لم يقتصر الحضور الدولي للقوى الأجنبية في الشرق الأوسط على أمريكا وروسيا، فقد اتصلت علاقة الهند والصين واليابان مثلا بالمنطقة لمئات السنين من خلال الحركة التجارية البحرية بين الشرق والغرب و تجارة العود والبخور بين الجزيرة العربية والصين، وكان سفراء الدولة العباسية يتواردون على الإمبراطورية التانغية في الصين في القرن الثامن الهجري.

بعد مغادرة القوات البريطانية الشرق الأوسط في أواخر الستينيات، انتهز الاتحاد السوفيتي الفرصة، وأبرم تحالفات حيوية مع الأنظمة العسكرية الناشئة في مصر والعراق وسوريا والجزائر

وكان الصينيون حينها يطلقون على العرب اسم “دا شي”، وأصله مأخوذ من لفظة “طازي” في الفارسية، التي بدورها تعني طائي، نسبة إلى قبيلة “طي” العربية، ثم في العصر الحديث تحول الإسم إلى “ألابو” أي عربي، كما أن العلاقات بين الحزب الوطني الصيني المعروف بكوومينتانغ وبين الدول العربية تمتنت في الثلاثينيات والأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، إلى أن انقلب عليه الرئيس جمال عبد الناصر لحساب الحزب الشيوعي الصيني، غريمه السياسي. وأوفدت الصين لفيفا من الطلاب المسلمين الصينيين للدراسة في الأزهر، كما كان لهم دور في التعريف بالقضية الصينية في الدول العربية، خلال الحرب الثانية مع اليابان التي نشبت عام 1937.

لكن الصين بعد الفترة الإمبريالية الطويلة التي شهدت انقطاع العلاقات الصينية بالدول العربية، عادت في العقد الأخير بقوة إلى الشرق الأوسط عن طريق مبادرة OBOR  التي أطلقها الرئيس الصيني شي جينبينغ عام 2013 ، وتروم منها الصين تعزيز الشراكات الاقتصادية بينها وبين الدول العربية وفتح سوق للتجارة الحرة، والمساهمة في تطوير البنيات التحتية للدول العربية مما يعزز نفوذها في المنطقة من خلال برامج التنمية البشرية وإنشاء الجسور والسكك الحديدية وغيرها من المشاريع العملاقة التي تضطلع بها الشركات الصينية. الهند بدورها كان لها حضور في حروب الشرق الأوسط التي خاضتها الامبراطورية البريطانية على يد الوحدات الهندية المقاتلة التابعة لها.

بعد مغادرة القوات البريطانية الشرق الأوسط في أواخر الستينيات، انتهز الاتحاد السوفيتي الفرصة، وأبرم تحالفات حيوية مع الأنظمة العسكرية الناشئة في مصر والعراق وسوريا والجزائر، ووفر لها الدعم العسكري لمواجهة التحديات السياسية التي فرضتها طبيعة المرحلة على ضوء الصراع بين المعسكر الشرقي والغربي.

بعد الثورة الإيرانية عام 1979، وتراجع النفوذ السوفيتي وانشغاله بأزماته الداخلية المتفاقمة، أنشأ الرئيس الأمريكي جيمي كارتر قوات للتدخل السريع تحولت فيما بعد إلى القيادة المركزية الأمريكية المعروفة اختصارا بسينتكوم، وهي الإدارة المسؤولة عن الشرق الأوسط ومصر، وأرسلت الولايات المتحدة قوات حفظ السلام إلى سيناء، المارينز إلى لبنان، وقوات البحرية إلى الخليج العربي، لتحكم قبضتها على مصير الشرق الأوسط من جميع الجهات بعد تدخلها لحماية النظام السعودي من تهديدات الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في حرب الخليج الأولى؛ التي دشنت بها أولى قواعدها العسكرية الدائمة في الجزيرة العربية.

لم تتردد الولايات المتحدة في توجيه الإنذارات شديدة اللهجة إلى الروس محذرة إياهم من التدخل في المنطقة، وأنها لن تتردد لحظة في اللجوء إلى الخيار العسكري

اليوم، منذ الزيارة التي قام بها الرئيس روزفلت غداة عودته من مؤتمر يالطا عام 1945 إلى الشرق الأوسط، وعلى ضفاف البحيرة المرة الكبرى في قناة السويس، عندما تعهد للملك عبد العزيز بأن أمن السعودية من أمن الولايات المتحدة، وأن أي تهديد للسعودية يعتبر تهديدا للأمن القومي الأمريكي، تعاقب الساسة الأمريكيون على قلب رجل واحد، ترومان، أيزنهاور، نيكسون، كارتر، ريغان، بوش الأب،  بيل كلينتون، وبوش الابن، جميعهم ظلوا أوفياء للعهد الذي قطعه روزفلت، واتخذته الولايات المتحدة على امتداد السنين عقيدة راسخة، و أظهرت حرصا بالغا وصرامة مفرطة على اعتبار منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط عموما من ضمن المناطق الحيوية التي لا يمكن التسامح مع أي قوة أجنبية تخطط لاكتساب موطئ قدم فيها.

اليوم، ولدهشة العرب أنفسهم، تعيش المنطقة زلزالا جيوسياسيا، وتشهد تطورات راديكالية في المواقف التقليدية للدول الكبرى، أمريكا ومع تولي دونالد ترامب وفِي غضون شهورمن انتخابه، أبدى قدرا غير يسير من اللامبالاة غير المعهودة إطلاقا من الرؤساء الذين سبقوه، فجميعهم كانت لهم عقيدة متشددة بخصوص الشرق الأوسط، وجميعهم عمل على ردع كل من تسول له نفسه الاقتراب من تلك المنطقة، حتى في عز قوة الاتحاد السوفيتي، لم تتردد الولايات المتحدة في توجيه الإنذارات شديدة اللهجة إلى الروس محذرة إياهم من التدخل في المنطقة، وأنها لن تتردد لحظة في اللجوء إلى الخيار العسكري.

ها هي روسيا اليوم، التي لا تخفي أطماعها التوسعية، بل إيران وتركيا أيضا؛ يشغلون مساحات واسعة كانت في المدى القريب مناطق نفوذ أمريكي خالصة، في سوريا والعراق واليمن وليبيا والخليج العربي، بل حتى الأنظمة العربية الديكتاتورية وجدت فسحة لاتخاذ قرارات سياسية وعسكرية منفردة مثل مصر والجزائر حيال الأزمة الليبية، والإمارات وقطر حيال الأزمة في القرن الإفريقي، ما كانت لتتجرأ عليها من قبل، بل يمكن القول إن أحد أهم أسباب الأزمة الخليجية الحالية هو تراجع نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة وانعكاس له، حيث غياب ضابط السياسات والمواقف أدى إلى اختلاف المسارات وتضارب المصالح.

والسؤال الأكثر إلحاحا هنا هو: إذا كان نفوذ الولايات المتحدة سوف يستمر في التراجع والتهاوي بالسرعة التي يتزايد فيها نفوذ الاتحاد الروسي على الأرض؛ بما يحققه من انتصارات عسكرية وجيوسياسية في سوريا وسيطرته على المزيد من حقول النفط والغاز، وتمدده الخفي إلى السواحل الجنوبية لحوض المتوسط، فهل في مصلحة الشعوب المضطهدة من طرف النظم المستبدة في الشرق الأوسط، أن يستبدل النفوذ الروسي بالنفوذ الأمريكي؟

ألا يَصب النفوذ الروسي قطعا، في مصلحة الديكتاتوريات العربية، بالنظر إلى الرابطة الديكتاتورية بين الأنظمة العربية والاتحاد الروسي؟

أليست أمريكا- على الرغم من دعمها أحيانا للديكتاتورية في الشرق الأوسط، تظل دولة ديموقراطية يخضع رئيسها للمحاسبة والمساءلة، وتنتظره انتخابات رئاسية  شفافة، وتتمتع بحياة حزبية حقيقية، وكونغرس له سلطة عزل الرئيس، وصحافة حرة و مستقلة، ومنظمات حقوقية وازنة- أفضل من دولة عريقة في الاستبداد مثل روسيا؟

 أليست روسيا بلدا شموليا ناعما يتحول شيئا فشيئا نحو نظام الحكم المطلق -كما صرح بذلك عميل الكي جي بي السابق جينادي جودكوف الممنوع من الحديث إلى وسائل الإعلام الروسية حسب تقرير نشرته شبكة سي بي إن الأمريكية- يحكمه رجل مخابرات مخضرم له ما يناهز عقدين في السلطة، إلى جانب حكومة يوجهها رجال المخابرات والجيش، يضطهد المعارضين ويلقي بهم في المعتقلات، ويضيق على حرية التعبير والصحافة، ويعادي الأحزاب ويضعفها، ويمارس التعذيب في السجون بنفس الأساليب الوحشية التي تمارسها الدول العربية، بل حتى الاغتيالات السياسية كما وقع للمعارض بوريس نيمستوف عندما أطلق عليه النار على جسر مطل على الكرملين من طرف رجال تابعين للأجهزة الأمنية الروسية قبل عامين، ويدعم فساد الأوليغارشية التي تحتكر ثروات البلاد، أليس ذلك أمرا مريعا إذا حققنا في مآلاته ودلالاته المستقبلية؟

ألم يكون بوتين هو الآخر جلادا يوفر الحماية السياسية للأنظمة الاستبدادية، ويضفي عليها الشرعية عندما تنزل بشعوبها أقسى العقوبات

ألا يجعل النظام في مصر مثلا؛ أشد ميلا إلى تقديم الولاء في أول بادرة إلى موسكو التي لا تلقي بالا للتعذيب الممنهج الذي يمارسه النظام المصري في حق آلاف المعتقلين، والإعدامات المتسلسلة التي يصرفها القضاء الموجّه مجانا للمعارضين؟

هل يأمل أحد بعد ذلك في أن يقف الكرملين يوما مدافعا عن حقوق الإنسان في الشرق الأوسط وهو المتهم بجرائم حرب في شرق أوكرانيا، ألم يكون بوتين هو الآخر جلادا يوفر الحماية السياسية للأنظمة الاستبدادية، ويضفي عليها الشرعية عندما تنزل بشعوبها أقسى العقوبات، وتسومهم ألوانا من القمع والتنكيل؟، ألن يغري ذلك المستبدين في الشرق الأوسط بالاستبداد بشعوبها والاسترسال في التضييق على الحريات وهي أكثر اطمئنانا و أشد عزما ؟

أليس موقفها الداعم لبشار الأسد، عينة من المواقف التي سوف تتخذها في المستقبل تجاه أي حركة تطالب بالحقوق والحريات في الشرق الأوسط، وإشارة إلى نوع الأنظمة التي سوف تسود في المنطقة تحت سيطرة الاتحاد الروسي؟
بقلم: طه لمخير

تعليقات