مؤسّسة أكاديميّة بحثيّة فكريّة مستقلّة، غير حكومية، غير حزبية، تسعى للمساهمة في بناء حاضر ومستقبل سوريا

على هامش قرار انفصال كردستان

7

في موازاة الحرب الكلامية الدائرة، بين القادة الأكراد وخصومهم العراقيين وغير العراقيين من الأطراف الإقليمية والدولية، تجري حرب كلامية أخرى، ولكن ليس بين قادة ومسؤولين، بل بين شرائح اجتماعية متنوعة من مثقفين وفنانين ومهنيين.. إلخ، كان ميدانها الأرحب وسائلَ التواصل الاجتماعي والصحف والمجلات، وبعض المواقع الأخرى. ولكن كلتا الحربين الكلاميتين تتمحور حول قضية واحدة، هي (أحقية الأكراد في الانفصال وبناء دولتهم المستقلة أو عدم أحقية ذلك). الأمر المهم في المواجهة الكلامية غير الرسمية –كما أعتقد– أنها تتيح للمتابع استجلاءً أكثر شفافيةً وأكثر عمقًا، لبواطن المشاعر وخفايا ما يضمره الوجدان الشعبي، إزاء العديد من القضايا.

كمواطن سوري ينتمي إلى صف الثورة السورية في مواجهة نظام الاستبداد الأسدي، أجدني مدفوعًا، بلا أيّ مواربة، إلى الانحياز إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها، وإلى حق الأكراد في إقامة كيانهم الذي يختارونه وفقًا لما نصّت عليه المواثيق العالمية لحقوق الإنسان، كما أجدني مدفوعًا -أيضًا– إلى إدانة مجمل الممارسات الدولية والإقليمية التي تحاول مصادرة حقوق الشعوب (الأكراد وسواهم) مؤثِرةً مصالحَها السياسية والاقتصادية والعسكرية.

هذا الموقف الشخصي لا تمليه عليّ قناعات مثالية، ولا ولاءات سياسية، بل هي اعتبارات محض ذاتية، فحواها ضرورة الانسجام الإنساني مع الذات، فكرامة الكائن البشري وآدميته ثابتة، لا تتغير بتغيّر الأعراق والأديان والمذاهب، والحق الإنساني كلٌّ متكامل لا يقبل التجزيء، ومن يرفض الظلم والاستعباد في مكان؛ لا يمكن أن يقبله أو يؤيده في مكان آخر.

إن شعور الرضى عن الذات النابع –أصلًا– من التماهي مع الحق الإنساني، غالبًا ما يباغته شعور بدهشة بالغة، حين تدرك أن إقرارك بحق الآخر وعدالة قضيته مشروط بعدّة أمور، لعلّ في طليعتها: عليك (أنت المنتمي إلى المكون العربي) أن تعترف اعترافًا غير منقوص، بأنك تنتمي إلى عرق شوفيني مارس على الكُرد –عبر التاريخ– شتى أنواع الاضطهاد والقهر، وعليك أن تقرّ بتماهيك وتأييدك لكافة الأنظمة الاستبدادية الحاكمة التي مارست على شعوبها الظلم، بل عليك أن تقرّ بمسؤوليتك عن جميع ما قامت وتقوم به الأجهزة الأمنية والمؤسسات السلطوية لتلك الأنظمة، كما يتوجب عليك اختزال (المظلومية الكردية) برمتها، ورميها على الشعب العربي باعتباره المسؤول –كما حكوماته– عن المأساة الكردية، ولا ينقصك لإثبات ذلك أن ترى سيلًا من الكتابات المتنوعة، وكذلك أمواجًا من الأحاديث الإعلامية، تتسابق في سرد مظلوميات كردية، لم تكن الأنظمة الاستبدادية هي مبعثها فحسب، بل المواطنون العرب كأحزاب وجماعات وأفراد، وبإيجاز شديد: إن ساديّتك التي ما تزال مُتهمًا بها يجب أن تتحول لديك إلى “مازوخية” صارخة، لعلّها تنتشلك من قفص الاتهام إلى واحة البراءة.

لم يكن من ضمن خيارات الإنسان العربي -كما جميع البشر- تحديد العرق أو الجنس الذي ينتمي إليه، والقومية –كما أؤمن– هي انتماء وليست أيديولوجيا، والتضامن مع الشعوب التي تعاني الجور لا يلزمني أو يحتّم عليّ احتقار ذاتي القومية واتهامها بما ليس فيها، وإن إيماني بصون حرية الآخر وكرامته نابعٌ من إيماني بأحقيتي –ككائن بشري–  بحيازة حريتي وكرامتي كاملة غير منقوصة، أمّا القول بسوى ذلك فإنه –عندي– لا يعدو كونه نفاقًا وزيفًا، لا ينمّ عن صدق في القول ولا إخلاص في العمل.

العرب والكرد السوريون وباقي المكوّنات السورية مدعوون جميعًا إلى رؤية الوقائع الملموسة، وليس الاختباء وراء السرديات البكائية، فالنظام الأسدي -منذ تسلّطه على سورية- كانت ضحاياه من المكون العربي تفوق سواها بأضعاف الأضعاف، ومشاركة العرب في السلطة في سورية كانت مقرونة بمشاركة معظم الأعراق الأخرى، علمًا أن نظام الأسد لم يكن يحمل من نهجه القومي سوى الشعارات فقط، والمعارضة السورية التقليدية، والتي يتهمها الكثير من الكُرد بالتنكر لحقوقهم، والتي لا يوثق بها من معظم الأشقاء الكُرد، أقول: هي على الرغم من كل ذلك، كانت أكثر حسمًا ورفضًا في بيان موقفها من نظام الاستبداد الأسدي (الأب والابن). موقف نظام الأسد من استقلال كردستان كان متماهيًا مع الموقف الإيراني وملحقاته الطائفية العراقية، ولكن هذا لم يمنع وليد المعلم (وزير خارجية النظام) من مغازلة الكُرد السوريين، حين أبدى قبول حكومته لمناقشة إمكانية قيام إدارة ذاتية كردية، ولئن أمكننا تفسير دعوة وليد المعلم على أنها تخدم التموضعات العسكرية الحالية للنظام، ومحاولته اللعب بما يستطيع من أوراق؛ فإن ما نحتاج إلى تفسيره تفسيرًا مقنعًا حقًا هو الارتياح والاستحسان الذي لقيته تلك الدعوة، في شطر كبير من الوسط الكردي في سورية.

يعلم الكُرد، قبل سواهم، أن القوى الفاعلة التي تحول دون قيام دولة كردية في شمال العراق ليست المواطنين العرب (أفرادًا وأحزابًا ومنظمات)، بل هي قوى دولية وإقليمية ساهم معظمها في اضطهاد العرب قبل الكُرد، ألم تكن الولايات المتحدة الأميركية، وما تزال، هي الحليف الأقوى للأكراد في العراق وسورية؟ ألم تكن الإدارة الأميركية، وما تزال، موضع ثقة أغلبية الكُرد؟ علمًا أن الوعي الكردي يدرك، منذ أمد بعيد، مقدار استثمار الأميركيين للورقة الكردية وعدم صدقية أميركا في التعاطي مع حقوق الشعوب، إلّا أن الرفض الأميركي لمسألة انفصال كردستان العراق كان واضحًا ولا يحتاج إلى مزيد من التأويل. فضلًا عن أن معظم الحكومات الأوروبية والتي يثق بها الكُرد أكثر بكثير من العرب، لم تبد موقفًا إيجابيًا أو داعمًا لقرار الاستفتاء في المحافظات الكردية.

لعلنا بغنى عن تكرار دوافع الرفض الإقليمي والدولي لخيارات الشعب الكردي المشروعة، ولكن معرفة ذلك الرفض وعدم القدرة على مقاومته يجب ألّا تؤدي إلى تبرئة الجلاد والنيل من الضحية.

انطلاقة الثورة السورية كانت فرصة عظيمة أمام السوريين لتحديد هوية المستبد والشروع في مقاومته، كما كانت فتحًا ثقافيًا هائلًا مهّد السبيل لالتماس وعي أكثر عمقًا، لمفاهيم بناء الدولة الوطنية، وكذلك أتاحت الثورة للسوريين، بجميع مكوناتهم، أن يتحدثوا ويتحاوروا حول جميع أوجاعهم المحظورة سابقًا، إلّا أن حيازة المفاهيم النظرية لمفهوم الدولة الحديثة، لدى الكُرد والعرب على السواء، غالبًا ما تخذلها الارتكاسات إلى بنى ذهنية مقيتة متجذرة في الوعي،  يحتاج التحرر منها إلى مزيد من الممارسة الثقافية الصادقة والمخلصة، وليس التشبيح السياسي فحسب.
بقلم: 

تعليقات