مؤسّسة أكاديميّة بحثيّة فكريّة مستقلّة، غير حكومية، غير حزبية، تسعى للمساهمة في بناء حاضر ومستقبل سوريا

“عفرين” إلى “خفض التصعيد” وروسيا تنقلب على مخرجات “أستانا” في إدلب

13

أبرزت تصريحات رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، الإثنين الماضي، التي أعلن فيها أنّ العمل جارٍ من أجل ضمّ منطقة عفرين الخاضعة لسيطرة ميليشيات (قسد) في الشمال السوري، إلى اتفاق أستانا، أبرزت أهميةَ هذه المدينة على طاولة توزيع المكاسب ورسم خارطة نفوذ القوى المتنازعة، وتطويعها بما يتوافق مع مصالح كل دولة.

في السياق ذاته، واصل الطيران الروسي استهدافه لمناطق مختلفة في محافظة إدلب؛ الأمر الذي دفع بمعارضين (رحّب بعضهم بضم عفرين للاتفاق) إلى المطالبة بجعل إدلب أولوية على مسار خفض التصعيد، مشيرين إلى أن استمرار القصف على المدنيين والبنى التحتية يزيد من تعقيد الأمور، من خلال ربطه بملفات أخرى كعفرين.

الأولويات

المعارض السوري ميشيل كيلو يرحب بفكرة ضم عفرين إلى خفض التصعيد، ويرى أنها توقف الفكرة القائلة بتكليف الكرد في عفرين، بدخول إدلب وفتح الطريق نحو الساحل الذي ينظر له كبوابة للكرد في سورية. تأزم الوضع على طول الحدود الجنوبية لتركيا دفع جملة من الأولويات إلى السطح، خصوصًا بعد التطورات الحاصلة إبان الاستفتاء على استقلال شمال العراق، وهذا ما يدفع إلى التساؤل: إنْ كان دخول تركيا إلى إدلب سيشمل عفرين أيضا، وفي هذا الأمر يقول كيلو في حديث لـ (جيرون): “صار دخول تركيا مؤجلًا؛ لأن العراق أولوية بالنسبة إليها”.

شرعنة أستانا

المعارض سمير نشار أكد في حديث لـ (جيرون) أنّ الأولوية لإدلب ومناطقها المختلفة في خفض التصعيد، حيث إن القصف الروسي يبدو تمهيديًا لدخول إدلب، مشيرًا إلى أن الصورة ستكون أكثر وضوحًا بعد اجتماع أردوغان-بوتين المنتظر هذا الأسبوع. وقال نشار: “أعتقد -وقد أكون مخطئًا- أن الأولوية لإدلب من حيث خفض التصعيد، وإنهاء ما تقوم به روسيا من قصف يستهدف المدنيين والبنى التحتية بما فيها المشافي والمدارس، فضلًا عن استهداف الفصائل التي وقّعت على اتفاق خفض التصعيد في أستانا”.

اتهم نشار الفصائلَ التي شاركت في التوقيع على أستانا، بأنها شرعنت القصف الأخير على إدلب، مشيرًا إلى ما يتم تداوله من اتهامات في هذا الخصوص، كما وصف الفصائل الموقعة على اتفاق خفض التصعيد بـ “الساذجة” من جهة عدم فهمها للدوافع الروسية، وأوضح أن الروس يعملون وفق مخطط تطويق الجبهات، من خلال اتفاق مناطق خفض التصعيد، وخلق انطباع على أن الصراع في سورية قد انتهى، وأن المعارضة ستذهب إلى مفاوضات، والبدء بمصالحات ميدانية، بحيث يتم الضغط على الهيئة العليا للمفاوضات؛ لفرض التنازل عن  شرط تنحي الأسد في بداية المرحلة الانتقالية، والقبول به ضمن الحل السياسي، وقال نشار: إن هذا الأمر هو ما دفع بالدكتور رياض حجاب –على ما يبدو– إلى إعلان أنه لن يقبل بوجود أي حل سياسي يبقي بشار الأسد، وأن منصة موسكو صنيعة مخابراتية.

سياسة قديمة جديدة

من جهة ثانية، يرى المعارض غسان المفلح، في حديث مع (جيرون)، أن الرغبة بضم عفرين إلى اتفاق خفض التصعيد تأتي استكمالًا للسياسة التركية “القديمة الجديدة”، بخصوص شمال سورية والمدن الكردية فيها. وأشار إلى رغبة تركيا في منع تلك المنطقة من أن تكون قاعدة عسكرية لـ (حزب العمال الكردستاني)؛ لهذا فإن عفرين المركز الأساس للحزب والقريبة من حلب ومن الحدود التركية، هي القلب من هذه السياسة، بحسب المفلح.

وأضاف: “بعد التغير في الموقف التركي من الوضع في سورية، نتيجة عدة عوامل، أهمها معرفة الأتراك أن الأميركيين والإسرائيليين سلموا الجانب العسكري في سورية للروس، وبالتالي لا يريدون تفويت الفرصة، في لحظاتها الأخيرة، لفرض هذا السيناريو الجديد، وبموافقة روسية إيرانية، إن تركيا تمارس ضغطًا على الأميركيين لكي يبقى هذا الحزب بلا مخالب”.

عن احتمال دخول الجيش التركي إلى عفرين، قال المفلح: “لا أعتقد أن تركيا ستدخل إلى عفرين، إنها مجرد (فزّاعة) لاحتواء حزب العمال، كما أن دخولها إلى إدلب لن يكون إلا بقرار دولي، وأنا مع دخول تركيا إلى إدلب، وليس إلى عفرين، لكيلا يدخلها الأسد”.

مناطق نفوذ

المعارض محمد حجي درويش يؤكد لـ (جيرون) أنه “ضد التدخل الأجنبي في سورية، بكافة أشكاله ومن كل الأطراف، بمن فيهم تركيا”، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى “عملية تقاسم مناطق النفوذ في سورية دوليًا وإقليميًا، وهذا ما يرفع من احتمالية دخول الجيش التركي إلى عفرين؛ إلا أن هذا الأمر يبقى مرهونًا بتأثير ذلك على الوضع الداخلي لتركيا، وهذا ما تأخذه أنقرة بالحسبان”. وقال: “من يريد حل القضية السورية بشكل صادق فهو يعرف أن الحل له طرق أخرى. النزاع تجاوز حل المشكلة السورية إلى تقاسم عوائدها و مكتسباتها بين الأطراف الفاعلة”.

تصريحات رئيس الحكومة التركية الداعية لإقامة منطقة “خفض تصعيد” في مدينة عفرين، تزامنت مع قصف روسي عنيف على مناطق مختلفة من محافظة إدلب، وشمل القصف جسر الشغور والبشيرية والقنية والجانودية ومناطق شرق إدلب وجنوبها، واستهدف القصف المرافقَ العامة من مشافٍ ومدارس وتجمعات السكنية، وبالرغم من محاولة الجيش الروسي نفي استهدافه للمدنيين، لكن وسائل إعلام وناشطين أعلنوا مقتل نحو خمسين مدنيًا بينهم أطفال. وبحسب مراقبين، فإن الوضع القائم في إدلب حاليًا يضع مستقبل اتفاق خفض التصعيد، في غرفة العناية المشددة، مشيرين إلى أن روسيا هي من يستهدف شركاءها من الفصائل في الاتفاق، ويضاعف من حجم الشكوك بدورها كضامن في اتفاق أستانا برمته. م. س.
المصدر جيرون

تعليقات