مؤسّسة أكاديميّة بحثيّة فكريّة مستقلّة، غير حكومية، غير حزبية، تسعى للمساهمة في بناء حاضر ومستقبل سوريا

عفرين… أرض الزيتون وأمل الأكراد بالوصول إلى البحر

33

تحوّلت منطقة عفرين السورية في الفترة الأخيرة إلى محط اهتمام دولي، مع العملية العسكرية التي تستهدف تركيا القيام بها في المنطقة تحت مبرر تشكيلها خطراً على أمنها القومي مع سيطرة الأكراد عليها. فما الذي حوّل هذه المنطقة إلى هدف جديد لأنقرة؟

تقع منطقة عفرين على ضفتي نهر عفرين في أقصى شمال غربي سورية، إلى الغرب من مدينة أعزاز، ومدينة حلب من جهة الجنوب التي تبعد عنها نحو 60 كيلومتراً وهي تتبع لها من الناحية الإدارية. ويحدها من الجنوب الغربي محافظة إدلب، بينما تحاذي الحدود التركية من جهة الغرب والشمال، بحسب تقرير لـ “العربي الجديد”.

وعفرين منطقة جبلية تبلغ مساحتها نحو 3850 كيلومتراً مربعاً، أي ما يعادل اثنين في المائة من مساحة سورية، وهي منفصلة جغرافياً عن المناطق الأخرى التي يسيطر عليها الأكراد على طول الحدود مع تركيا، والمتمثلة في منطقتي عين العرب والجزيرة في شرق البلاد، وإن كانت الوحدات الكردية توسعت إلى خارج حدود هذه المناطق بالاعتماد على الدعم الأميركي، مثل الرقة وريف دير الزور وريف حلب الغربي، لكنها مناطق خالية تقريباً من الوجود الكردي.

وعلى عكس منطقتي عين العرب والجزيرة، تقع عفرين في نقطة بعيدة نسبياً عن المناطق الكردية الأخرى، ولا تحاذيها مدن أو مناطق عربية، كما لا تجاورها في الجهة التركية مدن ولا قرى كردية. وعلى الرغم من أن عفرين ليست مدينة ساحلية، لكنها تشكل أمل القوميين الأكراد للوصول إلى البحر المتوسط، باعتبار أنها الأقرب إلى البحر، وخسارتها تعني فقدان هذا الأمل.

وتخضع المدينة سياسياً للإدارة الذاتية، وعسكرياً وأمنياً لـ”وحدات حماية الشعب” الكردية التي أقامت تحصينات قوية في عفرين، ويتمركز فيها آلاف المقاتلين، وبعض الأرقام تقول إنهم قد يصلون إلى خمسين ألف مقاتل، ما يعني أن أي معركة فيها لن تكون سهلة.

غير أن مصادر محلية في المدينة تقول إن الأكراد في عفرين غير مرتاحين لسلطة حزب “الاتحاد الديمقراطي” وذراعه العسكري “وحدات حماية الشعب” لأنهم يعتبرونه أداة استخدمها النظام  في قمع خصومه الأكراد، مشيرة إلى أن عفرين كانت من أهم معاقل الحركة الإسلامية في سورية قبل وصول حزب “البعث” إلى السلطة، وقاتل أهلها الاحتلال الفرنسي. وتلفت هذه المصادر إلى أن لدى أكراد عفرين علاقات طيبة مع تركيا، وكثيرا من عائلاتها لديهم أقارب في تركيا، وبعض أبنائها حصل على الجنسية التركية منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

يقول ناشطون أكراد إن حزب “الاتحاد الديمقراطي” قمع الناشطين الأكراد في عفرين الذين انضموا للثورة السورية منذ أيامها الأولى حين سلمه النظام عفرين، فاعتقل الكثير من شبابها، وأرسلهم إلى شُعب التجنيد، ما دفع العديد منهم إلى الهرب خارج المدينة.

ودفعت مخاوف حزب “الاتحاد الديمقراطي” من مهاجمة المدينة من قِبل تركيا أو فصائل المعارضة إلى إبرام اتفاق مع روسيا، يسمح لقواتها بالانتشار في موقعين قرب عفرين، وإقامة قاعدة عسكرية روسية في منطقة جنديرس، الأمر الذي نفته روسيا، وقالت إنها لا تعتزم إقامة أي قواعد عسكرية جديدة في سورية. غير أن مصادر مختلفة تقول إن روسيا موجودة في موقعين على الأقل، الأول في جنديرس على بعد 20 كيلومتراً تقريباً من عفرين إلى الجنوب الغربي بالقرب من أطمة في ريف إدلب، والثاني في معسكر الطلائع في كفر جنة شمال شرقي عفرين على بعد 11 كيلومتراً تقريباً بالقرب من قطمة التي تسيطر عليها قوات “درع الفرات”.

وترى مصادر في المعارضة السورية أن نشر القوات الروسية بالقرب من مدينة عفرين كان خطوة استباقية لتعطيل أي محاولة من قبل قوات “درع الفرات” للتقدّم واستعادة المناطق التي استولت عليها الوحدات الكردية في ريف حلب الغربي مثل تل رفعت ومطار منغ.

ومن أبرز الأسباب التي تسوقها تركيا لعمليتها المرتقبة في عفرين، هو أن المدينة تحوّلت تحت إدارة حزب “الاتحاد الديمقراطي” إلى مركز تدريب وتصدير لـ”الإرهابيين” إلى أراضيها. وتقول مصادر تركية إن عناصر حزب “العمال الكردستاني” الناشطين في جبال الأمانوس التركية المطلة على البحر المتوسط، يحصلون على تمويلهم وإعاشتهم من مدينة عفرين.

وحسب هذه المصادر، فإن عفرين توفر دعماً لوجستياً وموارد بشرية لـ”العمال الكردستاني” وتُعتبر مقراً لتدريبات عناصر هذا الحزب. وتقول هذه المصادر إنه خلال السنوات الثلاث الماضية، بلغ عدد الذين انتقلوا إلى جبال الأمانوس قادمين من عفرين بعد تلقي تدريبات على حمل السلاح والمتفجرات هناك، إلى أكثر من 40 ألف مقاتل.

ويبلغ عدد سكان منطقة عفرين أكثر من نصف مليون نسمة حسب إحصائيات النظام عام 2012، غير أن مصادر كردية تقول إن عدد السكان اليوم يزيد عن المليون بعد موجات النزوح إلى المنطقة نتيجة المعارك بين مختلف الأطراف في السنوات الأخيرة.

وتضم عفرين نحو 350 قرية وبلدة صغيرة وكبيرة، أهمها عفرين المدينة التي يزيد عدد سكانها عن خمسين ألف نسمة، وجندريسة وبلبلة وشية، وراجو وشرا. كما تضم المدينة العديد من المواقع الأثرية مثل قلعة سمعان، وقلعة النبي هوري وتل عين داره، والجسور الرومانية على نهر عفرين وجسر هره دره الذي بنته ألمانيا قبيل الحرب العالمية الأولى. وتمر منها سكة حديد آتية من تركيا وتصل إلى مدينة حلب وقد بنتها تركيا قبيل الحرب العالمية الأولى.

تُعد منطقة عفرين من المناطق الجبلية، والتي يتراوح ارتفاعها ما بين 700 إلى 1300 متر، ويعتبر الجبل الكبير أو ما يعرف بجبل “كرية مازن” أعلى قممها، وهي تمتد على مساحة نحو 55 كيلومتراً من الغرب إلى الشرق و75 كيلومتراً من الشمال إلى الجنوب.

تتميز المنطقة بتنوع تضاريسها بين الجبال والسهول، ويمر منها نهر عفرين الذي يعتبر من أهم المصادر التي تمد الأراضي الزراعية السورية بالمياه، ويمتد ضمن الأراضي السورية مسافة 85 كيلومتراً. وتشتهر المنطقة بإنتاج زيت الزيتون والحمضيات والكروم. وأقيم سد 17 نيسان على نهر عفرين عام 1984 في منطقة ميدانكي وتشكلت بحيرة خلف السد مما جعل المنطقة المحيطة بالبحيرة مركز اصطياف. كما تُعتبر منطقة عفرين مركزاً تجارياً وإدارياً، وتضم معامل ومنشآت صناعية كبيرة، خصوصاً تلك التي تعتمد على المنتجات الزراعية مثل معاصر الزيتون. كما انتقل عدد من معامل الألبسة من مدينة حلب إلى عفرين بسبب الوضع الأمني المتدهور في حلب.

المصدر شبكة شام

تعليقات