مؤسّسة أكاديميّة بحثيّة فكريّة مستقلّة، غير حكومية، غير حزبية، تسعى للمساهمة في بناء حاضر ومستقبل سوريا

سوريا عشية مرحلة مفصلية

6

يتسارع العد العكسي لآخر المواجهات المسلحة في شرق سوريا وشمالها. معارك الشرق السوري ضد إرهابيي «داعش» تتسع، والسباق والتعاون، الروسي – الأميركي على أشدّه، لاقتسام السيطرة على محافظة دير الزور الغنية وذات الموقع الاستراتيجي،

وكل المعطيات تؤكد أن الجانبين الكبيرين ينفذان توافقهما المعلن: جنوب الفرات من حصة الحكم السوري والميليشيات الطائفية التي تدعمه، ولهم السيطرة على الطريق الدولية بين دير الزور ودمشق… وشمال الفرات حصة «قوات سوريا الديمقراطية» والمجلس العسكري لعشائر دير الزور، وسيكون من حصة هذا التحالف المدعوم أميركياً مدينتا «البوكمال» الحدودية و«الميادين» الاستراتيجيتين، على الطريق البري الذي يربط دمشق مع بغداد.

هذه المرحلة من الحرب لاقتلاع «داعش» من دير الزور، التي تتزامن مع التقدم الكبير في المواجهات لاستعادة الرقة، تؤشر أن التنظيم الإرهابي الذي فقد صلاحيته، هو بالطريق لأن يخرج من كل الحواضر المدنية في سوريا، وهو خارج وجوده في مجرى وادي الفرات بين سوريا والعراق، لن يبقى له في سوريا إلا نقاط صحراوية معزولة ستكون قيد السقوط فور اكتشافها.

في الشمال قُضي الأمر، وتتمُّ بلورة خريطة «خفض التصعيد في إدلب»، وليس مسموحاً أن تستمر هذه المحافظة المكتظة بأبنائها ومن نزح إليها، ثقباً أسود في الجسد السوري، بمعنى أنه ليس الزمن الذي يُسمح فيه لتنظيم «القاعدة» إقامة إمارة تديرها «هيئة تحرير الشام» أو الفرع السوري لـ«القاعدة». الاجتماعات العسكرية لأطراف «آستانة» التي جرت في تركيا، حسمت المنحى، وهي تزامنت مع المبادرة التي أطلقتها فصائل سورية تعمل في إدلب والأرياف الشمالية، لإقامة «جيش وطني» يضم نحو أربعين فصيلاً مسلحاً، توافق الجميع على تسمية رئيس الحكومة المؤقتة جواد أبو حطب وزيراً للدفاع، ومعه جرى توزيع المهام القيادية، والأهم أن هذا التوجه الذي يطلق يد هذه الفصائل المدعومة من تركيا وروسيا، قوبِل بدعم لافت من السعودية ودول الخليج، فبموازاة إعلان الوزير الروسي لافروف أن «خطة إدلب ستخلق الظروف لتحريك العملية السياسية على أساس قرار مجلس الأمن الدولي 2254»، أكد الوزير الجبير «دعم خطة خفض التصعيد»، وأن المملكة تعمل مع «فصائل المعارضة في (آستانة) لتثبيت وقف إطلاق النار». وبالتوازي، تحدث الرئيس التركي إردوغان عن «مرحلة نهائية للمباحثات الرامية لحل الأزمة في سوريا»، مضيفاً أن نهاية الخطوات المتخذة «تساهم في تسهيل مباحثات جنيف».

ما تقدم يؤكد أن حل المأساة السورية لن يكون إلا سياسياً، وما بعد إدلب سيكون لحظة مفصلية في مسار المسألة السورية، وأن كل منحى «مناطق خفض التصعيد» سيشرع الأبواب أمام بدء معالجة القضايا الإنسانية، وهي عميقة ومتنوعة من كشف مصير المعتقلين إلى التهجير والاقتلاع، وسيطوي أحلام اليقظة للحكم الديكتاتوري وحاضنته طهران بتحقيق حسم عسكري، لا بل فإن التسوية السياسية وحدها ستكون متاحة.

وبقدر ما هو مفضوح أن الظهور المدروس للتنظيمين الإرهابيين «داعش» و«النصرة»، قد نجح في خدمة الديكتاتورية وأنصارها من الميليشيات الطائفية بتشويه الثورة السورية والإساءة إلى كل السوريين، عندما طُوِيت الشعارات – الأهداف الأصلية، وأبرزها أن الديمقراطية هي البديل للديكتاتورية، وأديا في إجرامهما إلى إحداث انقلاب في موقف الكثير من الدول حتى مجموعة أصدقاء سوريا، التي لم تعد بأكثريتها تشترط رحيل الأسد، فإن ما بعدهما (داعش والنصرة) سيسرع من العودة الجادة إلى جنيف، وربما كانت الأشهر القليلة المقبلة حاسمة في بلورة مسار سياسي جديد لسوريا؛ ما يعني أن استمرار المعارضة التي هي حالة شعبية أشبه بالمعجزة، ما كان إلا لأنها تعبير حقيقي عن أصالة إرادة التحرر لدى السوريين، الذين لم تنكسر عزيمتهم وتصميمهم على إنقاذ بلادهم، من ديكتاتورية انحنت أمام كل طامح وتحولت أداة ترويع وقتل بوهم تطويع كل السوريين.

سوريا اليوم عشية مرحلة جديدة رغم كل الوهن الشعبي والتعب والاقتلاع والتفتت، ورغم تفكك القيادات وتشرذمها بوجه تحالف إجرامي غير مسبوق في احتضان الديكتاتورية ودعمها. وثابت وحقيقي أن المعارضة التي أُنزلت عليها العسكرة عُنوة لم تنتصر، لكن الأكيد أيضاً أن التقدم العسكري للنظام وفريقه، ما كان ليتم من دون التدخل الروسي الحاسم، الذي حقق انتصارات متتالية، وأمّن للنظام السوري استعادة نظرية لأراضٍ واسعة؛ فهو لا يملك حتى الحد الأدنى من القرار بعدما تحول إلى تابع وأداة للخارج منذ سنوات، وسوريا خراب ودمار وموت…

ستشهد سوريا ما بعد «داعش» و«النصرة»، فتح ملفات الميليشيات الطائفية؛ لأنها الوجه الآخر للإجرام الذي أُنزل بالسوريين، وهذا الأمر سيكون وثيق الصلة باستعادة كل الرهانات التي رفعتها ثورة السوريين، رهانات تحقيق الحرية والديمقراطية ورغيف الخبز، والسبيل معروف ومحدد وهو استعادة الحراك السلمي وتجاوز عيوب المرحلة الماضية التي تعيق استعادة الوحدة ونبذ التطييف. من درعا التي انتخبت إدارة محلية لها، إلى الغوطة التي تشهد عودة لجان محلية شبابية، إلى كل مناطق «خفض التصعيد» المؤشرات كبيرة عن عودة لن تتأخر للتنسيقيات التي ستبلور جيلاً جديداً. كل ذلك يكتمل عندما تتمكن القيادات السورية من تجميع قواها وتوحيد الرؤية وتقديم المشترك، وذلك لن يكون إلا على قاعدة قراءة حقيقية للسابق، خصوصاً تبعات ربط القرارات بأطراف خارجية، إلى الانحناء أمام العسكرة التي تمّ فرضها، والبداية تكون بالكف عن تخوين وعزل بعض الأطياف السورية التي لا تخدم إلا النظام السوري وحماته.
اسم الكاتب:حنا صالح
المصدر:الشرق الأوسط

 

 

تعليقات