مؤسّسة أكاديميّة بحثيّة فكريّة مستقلّة، غير حكومية، غير حزبية، تسعى للمساهمة في بناء حاضر ومستقبل سوريا

سوريا حلبة الصراع!

18

تلك البلاد ذات الطبيعة الخلابة والمدن العظيمة بعمائرها ومبانيها، والقرى الخضراء المتربعة على عرش الجمال، تلك البلاد بجلالها وجمالها، عامرة بطيبها وكرمها، بتألقها ورونقها، لا يمكن تصديق أنها ستعيش يوماً ما فاجعة، فاجعة كبرى يفنى من خلالها كل معالم الجمال ويُجبل ترابها بالدماء، ويُخلط ماءها بالدماء وتنغمس لقمتها بالدماء وحتى بياضها انطلى عليه اللون الأحمر القاتم، ولا يمكن تصديق أن هذه البلاد تحولت من جنة الياسمين والصفاء إلى حلبة صراع كبرى قُتلت فيها الإنسانية واغتيلت الطفولة والحياة.

الفاجعة الحقيقية التي تعيشها سوريا، بداية الأمر لم تكن فاجعة بكل معانيها، كانت تعيش ثورة سلمية تسير في طريقها إلى هدف وتغيير جديد على الواقع الغير مرضي في ذلك الوقت، سارت الثورة السورية بسلاسة وكانت أهدافها ومطالبها واضحة لم تخرج عن مسمى الثورة في بدايتها عندما كانت صامدة بسلميتها ووحدتها وكانت رصينة بمبادئها وصلبة بمواقفها، لكن سرعان أن علا صوت الحناجر فيها، قوبلت بالحرب، وتجلت فيها الدموية وانحاز فيها كل شيء عن السلمية لسبب بسيط وهو أن ردعها كان لا يمكن أن يكون سوى بالحرب فلجأ خصمها إلى هذا الخيار في مواجهتها.

الفاجعة تكمن في أن سوريا تعددت فيها الأطراف وكثرت السلطات وتحولت القضية من ثورة إلى حرب ضخمة غير متوازية بتاتاً، حرب غير متوازية تحول فيها الشعب السوري إلى خصم وطرف وحيد أمام أطرف عديدة انحازت إلى جانت خصم الثورة وعدوها، ورغم أن الثورة تعيش هذه الحرب الغير متوازية من جميع النواحي إلا أنها كانت أكبر من أن تخسر وتقمع بسهولة رغم خلوها من العنف اتجاه عدوها لعدم كسبها يد حديدية تضرب بها عدوها كالرصاص والقذائف، يدها الحديدية التي ضربت بها كانت حينها الصرخة والثبات والصمود.

اليوم أصبح التراب السوري مقسم ومشتت، أرض متعددة النفوذ، بلاد متعددة الاحتلالات، تغير الواقع أصبح أكثر اضطراباً ودموية لم يعد في الساحة السورية ثورة ومعارضيها، لا بل طغت على الثورة خصيصاً حرب سياسية من جهة ومن جهة أخرى حرب عسكرية أكثر عنفاً، الثورة وحيدة وخصمها كسب العديد من الصداقات الدولية التي جرها إلى سوريا لتقابل الشعب السوري بكل جبروتها.

وهنا النقطة الأساسية هي أن سوريا خرجت عن مفهوم الثورة ضد خصم واحد، عندما كان نظام الأسد على وشك الانتهاء لم يكن في الحسبان أن الأسد سيكون سخياً جداً، كان سخياً بثمن التراب السوري ولكنه كان أكثر صرامة وتقديس لثمن الكرسي الذي يجلس عليه حتى تحولت سوريا إلى ساحة حرب بدخول قوى ودول كبرى ليكون لها موقف في سوريا بعد أن رخص نظام الأسد التراب والأرض السورية لكل من يُبقي له الكرسي والسلطة.

لو نظرنا إلى الخارطة السورية اليوم سنرى العاصمة الأموية دمشق في يد وحكم إيران وروسيا وفي الجنوب إسرائيل وفي الشرق أمريكا وفي الشمال تركيا، هؤلاء كانوا أشد أصدقاء النظام السوري باستثناء تركيا، لا يهم معنى الصداقة اتجاه ما تفعله روسيا وإيران وأيضاً أمريكا لنظام الأسد ان كان يحقق الأسد ما يريده بذلك، ألم يجعلوه يصمد!، ألم يقدموا له القوة العسكرية!

ألم يدافعوا عنه حتى الأمس في مجلس الأمن ويطمسوا جرائمه المستمرة والمشتركة معهم، هؤلاء “كانوا” حلفاء الأسد لكن اليوم دولياً لم يعد الأسد طرفاً في سوريا ولا حتى حاكم أو سلطة، أصبحت الأطراف المسيطرة على سلطة الأسد والتي جعلتها تصمد إلى اليوم هي الطرف والخصم اتجاه السوريين لأن نظام الأسد سقط فعلياً منذ سنوات وسنوات.

الأسد كان محظوظاً بمن اعتبرهم أصدقاء له، أما الشعب السوري في ثورته كان أشد بؤساً وخسارة في عدم وجود أصدقاء جادين يمتلكون موقف صادق يتوافق مع مواقف الثورة السورية، فالثورة كانت وما زالت وحيدة بمبادئها ومواقفها، صحيح أننا سمعنا الكثير ممن يقول أنه صديق للشعب السوري لكن صداقته لم يبرهنها سوى بالشجب والاستنكار والتنديد، حتى سياسياً لم يقفوا بجدية، بينما حلفاء الأسد برهنوا معنى الصداقة والتي طبعاً تختبئ خلفها مصالح سياسية كبرى، برهنوها بطريقة فعالة ومقنعة.

وبعد تطاول نفوذ من رخص لهم النظام دخول واحتلال سوريا من روسيا وإيران وعصابات أجنبية وكل من دخل مستنقع الحرب في سوريا والتوسع والتمدد أكثر مما تسمح به دول الغرب بعد أن أعطتهم الضوء الأخضر لدخولهم سوريا، كانت دول الغرب تحاول ألا تجعلهم يتمددوا في سوريا أكثر مما تريد، وألا يعيشوا السيطرة والنصر في سوريا من نظام الأسد إلى روسيا، لذلك أتت الضربة الثلاثية الأخيرة لنظام الأسد في سوريا، كانت أهدافها عميقة لو لم يقابلها تجاوب سياسي قبل حصولها، ورغم حصولها فهي كانت تصب في مصلحة نظام الأسد ورسائل سياسية وقد تكون عسكرية أيضاً إلى من يقاتلوا ويسيطروا في سوريا.

ومع تصاعد الأحداث والتغيرات على مصير الحرب على الأرض في سوريا سترون أن المواجهات والصراعات قائمة بين أمريكا وروسيا وبين إيران وإسرائيل لأنها أصبحت هي الأطراف الموجودة والمسيطرة على الأرض عسكرياً، فهذه صراعات أساسية وحدوث خلاف حقيقي بينهم وانتصار حلف فيها على حلف آخر هذا يعني حدوث تغير كبير على الأرض السورية ولا تنسوا الصراعات الداخلية التي تقوم بها عصابات وجماعات تمسك خيوط توجههم دول لها أهداف ومصالح وتتطلع لتحقيقها على الأرض السورية بعد أن تدمر الجيش الحر وتلبسوا لقبه.

وبشكل عام على الأرض السورية نحن نواجه صراعات ظاهرياً نراها جدية بغض النظر عن السياسة الخفية بين الأطراف والحلبة هي سوريا، وأكثر ما يؤسفني الوصف الصحيح والدقيق الذي كتب في أحد الكتب التي تتحدث عن سوريا وأتحفظ على اسمه واسم مؤلفه بحسب ما طلب في مقدمة كتابه، والذي يقول “سوريا موقع القيادة أو كما وصفها توينبي هي الحلبة التي تواجه فيها كل القوى بعضها مع البعض الآخر”، وصف دقيق ومؤسف يترجم حاضر اليوم، نعم سوريا تحولت إلى حلبة صراعات دولية وحقل لتجربة الأسلحة أيضاً.. ويسمر الصراع والموت ونحن الضحايا.

  • اسم الكاتب:حذيفة المحمد
  • المصدر:مدونات الجزيرة
تعليقات