مؤسّسة أكاديميّة بحثيّة فكريّة مستقلّة، غير حكومية، غير حزبية، تسعى للمساهمة في بناء حاضر ومستقبل سوريا

جنيف الرابعة والمسار العسكري للثورة السورية

13

مع اقتراب الذكرى السادسة للثورة السورية، يبدو لنا من التطورات العسكرية أن مفاوضات جنيف الرابعة ستكون أقرب للهزل منها للحل. وينبغي التساؤل – مرة أخرى – عن أسباب استعصاء الأزمة حتى الآن.

البعد العسكري للصراع في سوريا ربما كان قد انتهى منذ عدة سنوات، لولا التدخل المباشر لقوى إقليمية ودولية. ولعل أبرز الاعترافات بذلك جاء على لسان سيرغي لافروف – وزير الخارجية الروسي – حين صرح الشهر الماضي بأن دمشق كانت على بعد أسبوعين أو ثلاثة أسابيع من السقوط قبل تدخل موسكو. ولو حدث ذلك وسيطر الثوار على العاصمة السورية، لكان التفاوض على الإطاحة برئيس النظام أو خروجه أو محاسبته قد تَيَسَّر أو تحقق. ولكن ذلك لم يحدث. فخلافا لما حدث في ليبيا، حيث أنقذ التدخل العسكري للناتو بقيادة فرنسية مدينة بنغازي – عاصمة الثورة – في مارس 2011، أنقذت التدخلات الإيرانية والروسية، وتنظيمات مسلحة غير حكومية (سنية وشيعية) من لبنان والعراق وباكستان وأفغانستان، بشار الأسد عدة مرات. إلا أن انقاذ رأس النظام، لا يعنى بالضرورة انقاذ النظام.

فقد فقدت قوات الأسد أكثر من مائة ألف قتيل، وعدد مماثل من الجرحى والمقعدين، وعشرات الآلاف من العسكريين الموالين للثورة، وهذا كله من جيش كان قوامه 320 ألف جندي في عام 2010. وبالتالي فإن الأسد يعتمد على أكثر من 120 ألف جندي ومقاتل من دول وميليشيات أجنبية ليسيطر على أقل من 25% من الأراضي السورية. وأياً كان التعريف المختار لمصطلح “نظام” في أدبيات العلوم السياسية، فإنه لا ينطبق على الكيانات العسكرية المسيطرة على أجزاء من دمشق والساحل ومحافظات أخرى. وبعبارة أخرى، كسرت الثورة نظام الأسد عسكرياً، ودون دعم جوي لصالحها.

وقد اقتربت الفصائل الثورية من نصر عسكري عدة مرات خلال السنوات الست الماضية. كانت المرة الأولى في يوليو 2012، عندما اقتحم الثوار دمشق ليسيطروا على أكثر من ستة أحياء جنوبية وشرقية فيها، مع الهجوم على مبنى الأمن القومي للنظام، مما أسفر عن مقتل كبار قادة الأسد العسكريين، بمن فيهم وزير الدفاع داود راجحة، ونائبه آصف شوكت، ورئيس مكتب الأمن القومي هشام بختيار، ورئيس ما يسمى “بخلية إدارة الأزمة” حسن تركماني (والخلية هي القيادة العسكرية/الأمنية العليا لمحاربة الثورة). وأعقب ذلك تقدم الثوار في شمال غرب البلاد، وخاصة بمحافظات حلب وحمص وإدلب. إلا أن هذا التقدم توقف في أواخر 2012 وأوائل 2013، مع تصعيد التدخل العسكري الإيراني المباشر مع قوات “حزب الله” اللبناني وغيرها من التنظيمات المسلحة غير السورية.

وقد دفعت قوى الثورة القوات الموالية للأسد إلى حافة الهزيمة العسكرية مرة أخرى في يوليو 2015، عندما تقدمت قوات المعارضة بثبات تدريجي على المعاقل الساحلية لبقايا النظام في ريف اللاذقية. وبعد شهرين، في 14 سبتمبر 2015، كانت قوات المعارضة من دوما والغوطة تقترب من فصل قوات الأسد في دمشق عن شمال البلاد، عبر التحكم في التلال الاستراتيجية المطلة على العاصمة وشل الطريق الدولي السريع. ولكن التدخل العسكري والقصف الجوي الروسي في نفس الشهر أوقف هذا التقدم.

وبالنظر في إطار مقارن، فإن الأداء والقدرات العسكرية للثورة السورية هي أفضل بكثير من حالات مشابهة أخرى ثارت ضد الاستعمار أو الاستبداد أو الاثنين معاً، بما في ذلك الثورة الليبية والقوات الثورية الموالية للجمهوريين في إسبانيا الثلاثينيات. ولكن المعضلة تَكمُن في تحويل هذا المجهود العسكري الضخم، لمكاسب دبلوماسية وسياسية تُقَرّبْ الثورة من أهدافها. وقد أدى الفشل في ذلك لمزيج مذهل من الحقائق والمتغيرات والتحالفات الجديدة. وبحلول نهاية 2016، كان هناك خمسة تحالفات عسكرية تعمل في الداخل السوري بأهداف متضاربة: قوات الأسد وحلفائهم، قوات معارضة – بقيادات عربية (متعددة الأعراق والمذاهب)، قوات معارضة – بقيادات كردية (متعددة الأعراق والمذاهب كذلك)، جبهة “فتح الشام” (النصرة أو الجناح السوري لتنظيم “القاعدة” سابقا)، وتنظيم “الدولة”. والأخيران – رغم قتالهم الشرس لقوات الأسد – تتنافر أهدافهم مع أهداف الثورة، سراً وعلناً.

لم تقاتل التحالفات الخمسة بعضها البعض فحسب وإنما اقتتلت فيما بينها أيضاً، ويشمل ذلك الاشتباكات فيما بين قوات الأسد والميليشيات الموالية لها، وكذلك الاشتباكات فيما بين وحدات تنظيم “الدولة.” وبحلول مبادرة وقف إطلاق النار التركية -الروسية، ومفاوضات الآستانة التي انطلقت الشهر الماضي في العاصمة الكازاخية، زادت حدة التوتر ووتيرة “إعادة التَمَوقُع” بين قوات المعارضة وجبهة “فتح الشام” وخاصة في إدلب، معقل المعارضة المكتظ بالنازحين وبضحايا الأسد والمستهدف جواً بلا هوادة من عدة أطراف دولية. واندمجت – على أثر هذه التطورات – “فتح الشام” مع أربع منظمات محلية ناشطة في الشمال السوري وهم “حركة نور الدين زنكي”، و”لواء الحق”، و”جيش أهل السنة”، و”جبهة أنصار الدين”، وذلك تحت مسمي “هيئة تحرير الشام”. واستقطبت “التحرير” كذلك فصائل عدة من حركة “أحرار الشام”، وهو ما قدره البعض بحوالي ربع قوات “الأحرار” في الشمال السوري، بمن فيهم قائد “الأحرار ” السابق، هاشم الشيخ، وهو القائد الحالي “للتحرير”. وفي الوقت ذاته تقريباً، اندمجت خمسة تشكيلات عسكرية أخرى – أهمها “صقور الشام”، و”جيش الإسلام- قطاع إدلب”، و”الجبهة الشامية” – إلى “الأحرار” لتجنب ضمها “للتحرير” أو الاستيلاء على مواردها. ويترأس تحالف “الأحرار” الجديد قائدهم الحالي علي العمر.

وتعكس هذه التطورات في هياكل المعارضة حسابات موازين القوى والبقاء أكثر منها التقارب الأيديولوجي. فيرى البعض الاندماج وإعادة التموقع كتكتيك لتقليل خطر قصف الطائرات بدون طيار والاغتيالات من الجو (في حالة فتح الشام/ النصرة خاصة)، أو لتقليل احتمالات ضم فصيل لفصيل آخر بالقوة (في حالة “الزنكي” وغيرها). وبينما يري تحالف “الأحرار” بضرورة تقبل المسارات الموازية من العمل الدبلوماسي والعسكري المناهض للأسد، يرى تحالف “التحرير” أن العمل العسكري وحده كفيل بالقضاء على بقايا النظام وإخراج القوات الأجنبية الموالية له.

ورؤيا الطرفين تعكس مآزق استراتيجية مرت بها معظم القوى الثورية المسلحة في العصر الحديث، ليتجاوزها بعضهم ويفشل آخرون. مأزق “الأحرار” وكذلك فصائل ” الجيش السوري الحر” الرئيسي يتمثل في عدم القدرة على استثمار المكاسب العسكرية في المفاوضات الدبلوماسية وذلك في ظل لامركزية القيادة العسكرية، وايديولوجية مُتَبناه (في حالة الأحرار) بها أبعاد طائفية ورجعية، وعدم اتفاق بقية الفصائل – ذات الثقل العسكري – على تَقَبل المسارين، وعدم وجود خطط واضحة على المديان المتوسط والطويل. وأما تحالف “التحرير” فلديه مأزق أكبر بكثير. فبعيداً عن تصنيف قوته الضاربة (فتح الشام/ النصرة سابقاً) كمنظمة إرهابية (فالدول قد تتفاوض وتتفق وتتصالح وتتحالف مع الإرهابين لو لديهم قوة عسكرية ومرونة سياسية كافية كما حدث في حالات أخرى)، وبعيداً عن أن قدراتهم العسكرية لا ترقى لطموحاتهم (فالمفاجآت قد تحدث، وأطراف ضعيفة عسكرياً ومنبوذة دولية انتصرت في حالات أخرى)، وبعيداً عن شدة التطرف الايديولوجي والطائفية المقيتة ورفض أغلبية القوى الثورية والسوريين عموماً لهما، فإن مأزق “التحرير” عمليا هو عدم وجود استراتيجية قابلة للتنفيذ لديه. فمن مسلمات الاستراتيجية – كما يوضح أحد أهم منظريها الجنرال الألماني كارل فون كلوزفيتز – أن الحرب هي أحد أدوات السياسية، وأن الجهد العسكري يجب أن يخدم الهدف السياسي، وإلا صار ذلك الجهد هو بعينه “الضوضاء قبل الهزيمة” كما يوضح منظر استراتيجي من قارة وقرن آخرين وهو القائد الصيني صن تزو.

وفي ظل الأولويات والأهداف المتضاربة بين القوى الإقليمية، وشبه انعدام الضمانات والالتزامات الجادة بوقف إطلاق النار، ورغبة بقايا النظام في إفشال أية عملية تغيير ولو إصلاحية تدريجية، فينبغي للمعارضة بيسارها ويمينها إعادة التفكير في استراتيجيتها ومواردها ومركزيتها وصراعاتها الداخلية، لأن المرجح في ظل معطيات الحالية هو استكمال جولة أخري من الصراع المفتوح في السنة السابعة، مع الأسف.

عمر عاشور – عربي 21

المصدر : البوابة نيوز

*الدكتور عمر عاشور أستاذ الدراسات المدنية والعسكرية ورئيس قسم الدراسات العليا بكلية العلوم السياسية والدراسات الدولية في جامعة اكستر البريطانية.

تعليقات