مؤسّسة أكاديميّة بحثيّة فكريّة مستقلّة، غير حكومية، غير حزبية، تسعى للمساهمة في بناء حاضر ومستقبل سوريا

تركيا تدخل المرحلة الأصعب في الأزمة السورية

10

السياسة الخارجية عمل طويل المدى ويتطلب الصبر، بيد أنه حافل أيضًا بالمفاجآت وحتى خيبات الأمل. والملف السوري أفضل مثال على ذلك…

بدأت الحرب السورية كآخر حلقة من سلسلة الربيع العربي، وأصبحت مشكلة عصية على الحل. كل الحسابات الموضوعة في البداية بخصوص هذه المشكلة باءت بالفشل، وبينما فقد بعض البلدان تفوقه، وجد البعض الآخر فرصًا لم يكن يتوقعها.

من الواضح أن الأمور لم تسر كما كانت تخطط تركيا والسعودية والولايات المتحدة والكثير من بلدان المنطقة. أسباب ذلك قضية مختلفة، لكن بالنتيجة مسار الأحداث في سوريا بعيد جدًّا عن المأمول.

المشكلة الأصلية هي أن أيًّا من البلدان التي لم تنل ما كانت تصبو إليه ليست مهددة بأضرار مباشرة بسبب الوضع الجديد في سوريا على خلاف تركيا.

كانت السعودية والولايات المتحدة ترغبان برحيل الأسد، لكن بقاءه بالنسبة لهما لا يحمل خطرًا داهمًا. وأكثر من ذلك، تعرض وحدة التراب السوري لأضرار قد لا يعد أمرًا مرعبًا بالنسبة لهما.

لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة لتركيا… أولًا، إقامة منطقة على طول شمال سوريا لوحدات حماية الشعب، وتزويدها بأسلحة أمريكية مشكلة كبيرة. لم تتمكن تركيا من توضيح مشكلة حزب العمال الكردستاني، وحجم تهديد وحدات حماية الشعب المرتبطة به، للعالم.

ثانيًا، استمرار حكم زعيم معادٍ تمامًا لتركيا في دمشق، ينطوي على خطر أمني بقدر وحدات حماية الشعب على أقل تقدير.

الخطر الكبير الثالث هو دور موسكو وطهران اللتين تتفوقان في المعادلة السورية الجديدة عبر أطروحات مناقضة تمامًا لما تنادي به أنقرة.

وعلاوة على الأخطار الثلاثة، هناك أيضًا تحول الولايات المتحدة، التي تعاونت تركيا معها في البداية، لصالح المعسكر المواجه.

لا ندري بأي مشكلة من هذه المشاكل تتعلق الانتقادات التي وجهها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بلهجة حادة، قبل زيارته روسيا، إلى البلدان “المنافسة” في الملف السوري بما فيها روسيا نفسها.

ومما لا شك فيه أن أردوغان يعترض على توجه الولايات المتحدة وروسيا إلى إبرام اتفاق لا يأخذ الأطروحات التركية في الاعتبار.

هل من الممكن إبرام الاتفاق بالفعل؟ وإذا أُبرم فإن تطبيقه مشكوك به، لكن هذا الوضع يشير إلى أنه حتى لو انتهت مشاكل الجميع في سوريا إلا أن مشكلة تركيا ستستمر.

وبما أن المبادرات البناءة لم تؤتِ أُكلها فإن القوة الدبلوماسية الوحيدة الباقية في يد أنقرة هي “إفساد” الأمور. يتوجب على تركيا أن تلجأ إلى أداة جديد تظهر للجميع أنه لا يمكن التوصل إلى اتفاق دون تركيا، ومن دون موافقتها، أي دون إزالة مخاوفها.

ولهذا أقول إننا دخلنا أصعب وأدق مرحلة في الملف السوري. مرحلة تقف فيها تركيا وحيدة، لكن لا بد لها من أن تكون قوية في نفس الوقت.

  • اسم الكاتب:مصطفى قره علي
  • المصدر:صحيفة قرار – ترجمة وتحرير ترك برس
تعليقات