مؤسّسة أكاديميّة بحثيّة فكريّة مستقلّة، غير حكومية، غير حزبية، تسعى للمساهمة في بناء حاضر ومستقبل سوريا

تحقيق لوكالة “رويترز” يكشف تفاصيل نقل المرتزقة الروس للقتال إلى جانب الأسد في سوريا

27

نشرت وكالة “رويترز” تحقيقاً كشفت فيه كيفية حصول نظام الأسد على دعم روسي من خلال نقل عشرات المتطوعين برحلات جوية سرية باستخدام طائرات مدنية

تعود ملكية هذه الطائرات في السابق لشركات طيران أوربية وأمريكية، ثم جرى نقلها عبر شبكة من الشركات الوسيطة إلى شركات طيران شرق أوسطية تخضع لعقوبات الولايات المتحدة، وهي تحركات تقول واشنطن إنها تساعد سوريا في تجاوز العقوبات بحسب التحقيق.

وذكر التحقيق أن الرحلات من وإلى مطار روستوف جنوب روسيا، لم توثق من أي منظمة من قبل، ويجري تشغيلها من قبل شركة أجنحة الشام، وهي شركة طيران سورية فُرضت عليها عقوبات أمريكية عام 2016، بزعم أنها تنقل مقاتلين موالين للأسد إلى سوريا وتساعد المخابرات العسكرية التابعة للنظام على نقل أسلحة ومعدات، ولا تظهر الرحلات، التي غالباً ما تهبط في ساعات متأخرة من الليل، في جداول الرحلات الجوية بالمطارات، وتقلع من دمشق أو من مدينة اللاذقية التي تضم قاعدة عسكرية روسية.

وتكشف العملية الثغرات في نظام العقوبات الأمريكية الذي يستهدف حرمان الأسد وحلفائه في “الحرس الثوري الإيراني ” و “حزب الله” من الرجال والعتاد الذي يحتاجونه لحملتهم العسكرية، كما أن وزارة الدفاع الروسية لم ترد على الأسئلة، كما لم يرد نظام الأسد، واكتفت شركة أجنحة الشام بالقول إن المعلومات عن وجهات رحلاتها متاحة في موقعها على الإنترنت.

ولا يرد ذكر الرحلات إلى روستوف على الموقع الإلكتروني، لكن الرحلات تظهر في قواعد بيانات تتبع الرحلات على الإنترنت، وتتبع المراسلون الرحلات الجوية بين مطار روستوف وسوريا من 5 كانون الثاني/ يناير 2017 إلى 11 آذار/ مارس 2018، حيث سيرت خلال تلك الفترة شركة أجنحة الشام 51 رحلة ذهاب وعودة، مستخدمة في كل مرة طائرات إيرباص إيه320 التي يمكن أن تقل ما يصل إلى 180 راكبا.

ويشتبه أصدقاء وأقارب المتعاقدين في أن موسكو تستخدم مقاتلين بشكل خاص في سوريا، لأنها بهذه الطريقة تستطيع نشر مزيد من الأفراد على الأرض دون المخاطرة بأرواح الجنود النظاميين الذين يتعين رصد وإعلان وفياتهم، حيث تعتبر الخسائر العسكرية في صفوف الجيش الروسي قضية حساسة في روسيا، حيث لا تزال ذكريات العمليات في الشيشان وأفغانستان التي استمرت سنوات حاضرة في الأذهان.

وقالت روسيا إن 44 من الجنود الروس قتلوا في سوريا منذ بدء العملية هناك في سبتمبر أيلول 2015. وتفيد قائمة رويترز التي تستند إلى تقارير من عائلات وأصدقاء القتلى ومسؤولين محليين أن 40 متعاقدا خاصا على الأقل قتلوا بين كانون الثاني وآب/أغسطس 2017 فحسب.

وفي السنوات الأخيرة جرى تسجيل عشرات الطائرات في أوكرانيا ضمن شركتين هما خورس ودارت، اللتان أسسهما قائد سابق بالبحرية السوفيتية واثنان من رفاقه العسكريين السابقين، وفقا لسجل الطائرات الوطني الأوكراني، وأفادت بيانات تتبع الرحلات الجوية أن هذه الطائرات بيعت أو استؤجرت بعد ذلك وانتهى بها الأمر للعمل في شركات طيران إيرانية وسورية.

وأفادت المعلومات بحسب “رويترز” والتي جمعتها من سجلات الطائرات الوطنية أنه في السنوات السبع الماضية، تمكنت خورس ودارت من الحصول على 84 طائرة مستعملة من طراز إيرباص وبوينج أو استئجارها عن طريق نقل الطائرات عبر كيانات لا تشملها العقوبات، وتفيد بيانات من ثلاثة مواقع تتتبع رحلات الطيران وتظهر مسارات الطيران ونداءات الاتصال للشركات التي تشغلها أنه من بين هذه الطائرات، جرى استخدام ما لا يقل عن 40 طائرة في إيران وسوريا والعراق.

و أضافت وزارة الخزانة الأمريكية في أيلول/ سبتمبر شركتي خورس ودارت إلى القائمة السوداء للعقوبات، قائلة إنهما تساعدان شركات الطيران الواقعة تحت طائلة العقوبات على شراء الطائرات الأمريكية الصنع. ونفت الشركتان وكذلك تومتشاني ارتكاب أي مخالفات تتعلق بتزويد طائرات إلى كيانات خاضعة للعقوبات.

وأظهرت تواريخ ملكية بعض الطائرات التي تتبعتها الوكالة، كيف يمكن تجاوز القيود التي تفرضها الولايات المتحدة على الإمدادات لشركات الطيران الإيرانية والسورية، وبينما تنتقل الملكية من بلد إلى آخر، تخفي الأدلة الورقية المعقدة هوية الأطراف الضالعة في شراء سوريا للطائرات.

ووفقا لسجل الطائرات الأيرلندي فإن إحدى طائرات أجنحة الشام وهي من طراز إيرباص إيه320 قامت بالرحلة من روستوف إلى سوريا، مملوكة لشركة (آي إل إف سي أيرلندا) المحدودة، وهي شركة تابعة لشركة إيركاب ومقرها دبلن وهي واحدة من أكبر شركات تأجير الطائرات في العالم.

وقال متحدث باسم هيئة الطيران الايرلندية التي تدير السجل إن الطائرة حذفت من السجل الايرلندي في يناير كانون الثاني 2015. وخلال الشهرين التاليين، اختفت الطائرة، التي كانت تحمل رقم التعريف (إي.أي-دي.إكس واي) من سجلات وطنية قبل أن تظهر في سجل الطائرات في أوكرانيا.
ويذكر السجل الأوكراني أن المالك الجديد للطائرة هي شركة جريشام للتسويق المحدودة المسجلة في الجزر العذراء البريطانية. ووفقا لوثائق خاصة بالشركة تسربت من مؤسسة موساك فونسيكا في بنما، يملك الشركة أوكرانيان هما فيكتور رومانيكا ونيكولاي سافرتشينكو. وتظهر سجلات الأعمال الأوكرانية أنهما مديران لأعمال محلية صغيرة. وقال رومانيكا عند الاتصال به هاتفيا إنه لا يعرف شيئا قبل أن ينهي المكالمة. أما سافرتشينكو فلم يتسن الاتصال به عبر الهاتف ولم يرد على رسالة أرسلت على عنوانه المسجل.

ويشير سجل الطائرات الأوكراني إلى أن شركة جريشام أجرت الطائرة (إي.أي-دي.إكس واي) إلى شركة دارت في مارس آذار 2015. وجرى تغيير رقم التعريف إلى رقم أوكراني هو (يو.أر-سي.إن.يو). وأظهر السجل أن خورس أصبحت الشركة المشغلة للطائرة في 20 أغسطس آب 2015.

وذكر ممثل عن هيئة الطيران الحكومية الأوكرانية أن السجل ليس الهدف منه هو التأكيد الرسمي للملكية لكن لم ترد أي شكاوى بشأن دقة المعلومات، ووفقا لبيانات من مواقع تتبع الرحلات فمن أبريل نيسان في ذلك العام. كانت شركة أجنحة الشام هي التي تسير الطائرة.

ولم ترد جيليان كولهان، المتحدثة باسم شركة إيركاب التي كانت شركتها الفرعية تملك الطائرة في عام 2015، على أسئلة مكتوبة كما لم ترد على مكالمات هاتفية متكررة تطلب التعليق على ما تعرفه إيركاب بشأن المالكين والمشغلين اللاحقين للطائرة. ولم ترد دارت وخورس على أسئلة متعلقة بتلك الطائرة بعينها.

ويقول أربعة محامين متخصصين في قواعد التصدير الأمريكية إن الصفقات التي تشمل طائرات ينتهي بها الأمر في إيران أو سوريا تنطوي على مخاطر كبيرة للشركات الغربية التي تورد الطائرات أو المعدات. وقال المحامون إنه حتى لو لم تكن لديهم تعاملات مباشرة مع كيان تحت طائلة العقوبات، فإن الشركات التي تقدم الطائرات يمكن أن تواجه عقوبات أو قيودا تفرضها الحكومة الأمريكية.

لكنهم ذكروا أن المسؤولية القانونية على صانعي الطائرات مثل بوينج وإيرباص محدودة، لأن التجارة تشمل طائرات من الدرجة الثانية عمرها أكثر من عشرين عاما بوجه عام كما أن الطائرات مرت على قائمة طويلة من المالكين قبل أن ينتهي بها الأمر في أيدي شركات تحت طائلة العقوبات.

وقال اثنان من المحامين بينهما إدوارد كراولاند المحامي بمؤسسة ستيبتو أند جونسون إن قواعد التصدير الأمريكية تسري بشكل صريح على طائرات بوينج لأنها صنعت في الولايات المتحدة. لكن يمكن أن تسري أيضا على طائرات إيرباص لأنه في كثير من الأحيان تكون نسبة كبيرة من قطع الطائرة من أصل أمريكي.

وقالت بوينج في بيان ”صفقات الطائرات الموصوفة في تحقيقكم لا تشمل شركة بوينج. تطبق بوينج برنامجا صارما للرقابة على التجارة والامتثال للعقوبات“. وقال متحدث باسم إيرباص ”إن إيرباص تحترم تماما جميع المتطلبات القانونية المعمول بها فيما يتعلق بالمعاملات مع الدول التي تخضع لعقوبات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة“.

عندما أرسلت رويترز سلسلة من الأسئلة إلى شركتي خورس ودارت حول أنشطتهما، اتصل تومتشاني الميجر السابق بالبحرية، بالمراسلة في غضون دقائق.

وقال إنه لم يعد مساهما في أي من الشركتين لكنه يعمل مستشارا لهما وإن الأسئلة أحيلت إليه. ودعا تومتشاني المراسلة للقاء في اليوم التالي في مطعم فيلور الراقي في كييف.

وخلال الاجتماع الذي استمر 90 دقيقة، نفى تومتشاني تقديم طائرات إلى إيران أو سوريا. وقال إنه بدلا من ذلك، قدمت خورس ودارت الطائرات لأطراف ثالثة رفض تحديد هوياتها. وقال إن تلك الأطراف الثالثة قدمت الطائرات للمستخدمين النهائيين.

وقال تومتشاني وهو رجل عسكري الطباع في أواخر الخمسينيات من العمر بينما كان يحتسي شاي الأعشاب ”لم نزود إيران بطائرات… ليست لدينا صلة بتقديم طائرات لشركة أجنحة الشام“.

وأضاف أنه لم يكن من الممكن أن تبيع دارت أو خورس أو تؤجر طائرات لأجنحة الشام لأنهما لا تملكان الطائرات.

وكان تومتشاني يخدم في وحدة بحرية تابعة للقوات المسلحة السوفيتية في فلاديفوستوك المطلة على ساحل روسيا على المحيط الهادي. وبعد استقالته من الجيش برتبة ميجر، أسس شركة خورس عام 1991 مع ضابطين آخرين في وحدته. وكسب تومتشاني وشريكاه رزقهم بتشغيل طائرات سوفيتية الصنع، بيعت بأسعار رخيصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وإرسالها إلى مناطق حرب.

وكانت خورس تنقل شحنات بضائع إلى أنجولا لصالح الحكومة الأنجولية ووزارة الدفاع ووكالات الإغاثة خلال حربها الأهلية. وقال تومتشاني إن شركاته قامت أيضا بتشغيل رحلات جوية في العراق بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003، حيث قامت بنقل متعاقدين أمنيين خصوصيين.

وأظهر سجل الأعمال الأوكراني أن تومتشاني لم يعد أحد المساهمين في خورس بعد يونيو حزيران 2010 وأنه تخلى عن اهتمامه بشركة دارت في مرحلة ما بعد أبريل نيسان 2011. وقال لرويترز إنه باع حصته إلى ”رجال أعمال كبار“ لكنه امتنع عن ذكر أسمائهم.

غير أنه أضاف أن الأشخاص المسجلين في سجل الأعمال باعتبارهم ملاك الشركتين لدى وقت المقابلة هم مجرد وكلاء. وكان أحد المالكين الذين وردت أسماؤهم في السجل مسؤولا تنفيذيا متوسطا في خورس بينما كان أحدهم محاسبا يبلغ من العمر 81 عاما ويعمل لدى عدة شركات في كييف.

وقالتا إن المتعاقدين سبق لهما الذهاب في مهمات قتالية. وأضافتا أنهما حصلتا على شهادتي وفاة تفيدان بأن مكان الوفاة هو سوريا. وأطلعت رويترز على الشهادتين. وكتبت على إحدى الشهادتين أن سبب الوفاة هو ”تفحم الجسم“ بمعنى أنه احترق حتى الموت. بينما أفادت الشهادة الثانية أن المتعاقد نزف حتى الموت من عدة جراح بسبب شظايا.

ووصفت إحدى الأرملتين محادثات مع زوجها بعد عودته من أول مهمة له في سوريا. وقال لها إن المتعاقدين الروس غالبا ما يرسلون إلى المناطق التي يحتدم فيها القتال ويكونون أول من يدخل البلدات التي تتم السيطرة عليها. ثم تدخل قوات الحكومة السورية إلى البلدة وترفع العلم السوري وتنسب النصر لنفسها.

تعليقات