مؤسّسة أكاديميّة بحثيّة فكريّة مستقلّة، غير حكومية، غير حزبية، تسعى للمساهمة في بناء حاضر ومستقبل سوريا

النظام و “قسد”: حرب أم مساكنة؟

2

بدا واضحا منذ انهيار منظومة “تنظيم الدولة الإسلامية” في الشرق السوري أن مرحلة جديدة من الصراع ستفتح بين النظام من جهة و “قوات سوريا الديمقراطية” من جهة ثانية.

وتصريح علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الإيراني قبل نحو شهرين من أن الرقة ستكون الهدف المقبل، ليس تصريحا عاديا يمكن المرور عليه، فالرجل الذي يمتلك مهارة سياسية عالية خبرها طوال ستة عشر عاما قضاها كوزير للخارجية، لا يمكن أن يطلق مثل هذا التصريح عبثا.

الوجود الأمريكي الذي يبدو أنه شبه مستدام في سوريا يؤرق طهران ودمشق أكثر مما يؤرق موسكو، فهذا الوجود يمنع النظام من استكمال سيطرته على الشمال والشمال الغربي الغني بالثروات الطبيعية، ويحول دون إعادة عافية الاقتصاد، في وقت يحد من المرور الإيراني البري المريح.

ولا يمكن اعتبار اتهامات الأسد الأخيرة لـ “قوات سوريا الديمقراطية” بالخيانة منعزلا عن هذا السياق، فالتصريح يأتي عشية انطلاق محادثات استانا التي ستحدد في نسختها الثامنة مصير المرحلة المقبلة لمحافظة إدلب ومحيطها، وربما تحدد أيضا طبيعة مواجهة الوجود الأمريكي.

بطبيعة الحال، لا يسمح التوقيت الحالي بإطلاق معركة عسكرية بين النظام و “قسد” بسبب فائض القوة لدى الطرفين، وبسبب رفض موسكو وواشنطن لمثل هذه المعركة، ولعل رفع سقف الرد الكردي على تصريحات الأسد يؤكد أن المعركة غير واردة في هذه المرحلة، لا العكس.

العلاقة بين النظام السوري وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وذراعه العسكرية علاقة مفارقة، وربما تكون التعبيرَ الأفضل عن مفارقات الأزمة السورية.

ارتبط الحزب بعلاقات أمنية ـ عسكرية واضحة مع النظام منذ 2012 في حين رفض أن يكون جزءا من سياسته، ويرتبط بتحالف واضح مع الولايات المتحدة بينما يمد جسور التواصل والتنسيق مع الروس، ويرفض محاربة النظام في حين يقدم نفسه على أنه جزء من المعارضة.

هذا الوضع المعقد سمح للحزب وأذرعه العسكرية بالبحث عن مساراتهم الخاصة، دون الوقوع في مصيدة النظام / المعارضة.

ما جرى قبل أشهر بين النظام و “قسد” في بلدة العكيرشي بالرقة، وما جرى في أحياء حلب قبل أيام، يمكن أن يتكرر في مناطق عدة تسيطر عليها “قسد”، خصوصا في أقصى الشمال الشرقي وأقصى الشمال الغربي لسوريا.

وهكذا نشأت خلال السنوات الماضية معادلة “تحالف الضرورة”، لكن تحت هذا التحالف يكمن الخلاف العميق بين الجانبين، وظل كل طرف ينظر إلى الآخر على أنه عدو، لكنه عداء مؤجل حكمته ضرورات الحرب: بالنسبة للنظام فإن الأولوية هي لمحاربة فصائل المعارضة الوطنية التي تمتلك وحدها الشرعية في تغيير الحكم، وبالنسبة للوحدات الكردية فالعدو الرئيسي هو الذي يمنعها من بسط هيمنتها في مناطقها.

في المراحل السابقة لم يمنع النظام توسيع النطاق الجغرافي لهيمنة “قسد”، لكنه اليوم لا يتحمل بقاء الوضع على ما هو عليه، ويبدو مستعجلا للقيام بخطوات عسكرية ما، لا تصل إلى مستوى فتح معركة متكاملة، لكنها كافية لضبط العلاقة مع القوى العسكرية الكردية، مستغلا الاستعجال التركي لحسم مصير ريف حلب الغربي والشمالي.

وإذا كان مفهوما النشاط العسكري التركي خلال المرحلة السابقة في ريف حلب الغربي وإزالة الجيش التركي لقسم من الجدار المحاذي لمدينة عفرين، فإن توجه قوات عسكرية روسية من مدينة تل رفعت إلى قرية الشيخ هلال لا يبدو مفهوما، ذلك أن الدخول العسكري الروسي إلى تل رفعت قبل أشهر كان بهدف ضمها إلى مناطق خفض التوتر وقطع الطريق أمام الأتراك.

إما أن الروس يمهدون الطريق للأتراك للسيطرة على تل رفعت ومحيطها مقابل ترك عفرين للوحدات الكردية، أو العكس، أي ترك الروس تل رفعت للوحدات الكردية مقابل تخليها عن عفرين إما لصالح تركيا أو لصالح النظام.

وثمة احتمال آخر متعلق بترسيم الروس للحدود بين “قسد” وفصائل المعارضة في تلك المنطقة، كمقدمة لتسيم جغرافي في عفرين بحيث تحل قوات النظام محل الوحدات الكردية، لتترك محافظة إدلب لتركيا في هذه المرحلة على الأقل.

فرضت المرحلة السابقة إقامة “تحالف الضرورة” بين النظام والوحدات الكردية، في حين ستفرض متطلبات المرحلة المقبلة إقامة ما يمكن تسميته “مساكنة الضرورة”

وما جرى قبل أشهر بين النظام و “قسد” في بلدة العكيرشي بالرقة، وما جرى في أحياء حلب قبل أيام، يمكن أن يتكرر في مناطق عدة تسيطر عليها “قسد”، خصوصا في أقصى الشمال الشرقي وأقصى الشمال الغربي لسوريا.

لن تسمح روسيا بنشوء معركة عسكرية بين النظام والوحدات الكردية، ليس فقط لأن هذه المعركة ستؤدي إلى مواجهة مع الولايات المتحدة فحسب، بل لأن الروس بحاجة ماسة إلى القوى العسكرية والسياسية الكردية في المرحلة المقبلة لاستكمال مخططاتها في رسم معالم التسوية السورية.

وإذا كانت القوة الكردية تعبر عن نفسها عسكريا على أرض الواقع، فإنها ستعبر عن نفسها في مقبل الأيام كقوة سياسية، هذا أمر تدركه موسكو ولذلك تبدو حريصة على إدخالهم إلى الساحة السياسية عبر مؤتمر سوتشي المقبل.

وبناء على هذه الوقائع والتطورات؛ يصعب تحديد مسار العلاقة بين النظام والوحدات الكردية، ويرتبط الأمر بطبيعة التحالف الأميركي/ الكردي، ومدى وحدود السياسة الأميركية في الشمال السوري.

لقد فرضت المرحلة السابقة إقامة “تحالف الضرورة” بين النظام والوحدات الكردية، في حين ستفرض متطلبات المرحلة المقبلة إقامة ما يمكن تسميته “مساكنة الضرورة”.

  • اسم الكاتب:حسين عبد العزيز
  • المصدر:عربي 21
تعليقات