مؤسّسة أكاديميّة بحثيّة فكريّة مستقلّة، غير حكومية، غير حزبية، تسعى للمساهمة في بناء حاضر ومستقبل سوريا

الموجة الثانية للثورة السورية

32

في الحراك المدني، فاعلية الكتلة الحرجة أقوى من الأغلبية الانتخابية وهكذا قامت ثورات الربيع العربي بفعل الكتلة الحرجة مع أن الأغلبية الانتخابية غير محسومة.  وكان ما قطع الحبل المتآكل للعقد الاجتماعي الذي تباعدت أطرافه هو نفاد صبر الكتلة الحرجة من إرخاء المجتمع لطرف الحبل مع نظام الطغيان الذي لم يزل يشد الحبل لطرفه بتضييع حقوق من يفترض كونه وكيلا ينوب عنهم في تسيير الأمور وإدارة الثروات لصالحهم.  وبعد قيام هذه الثورات، صدت السلطات الحاكمة الموجة الثورية الأولى في معظم بلدان الربيع العربي بتحكمها بأركان الدولة العميقة، لكن تحرر الكتلة الحرجة يعني موجات ثورية لا موجة، وإذا كان تتابع القطرات يحفر الصخر فإن تتابع الموجات يفتته، ويفتت تلك الدولة العميقة بكل موروثاتها وأمراضها التي تسربت للمجتمع.

ومع ما يصحب انفراط العقد الاجتماعي من ذهابٍ لألوان من الملذات وقطع لمتع من الرفاهيات ومن استنزاف للثروات ودمار للعمران بسبب انفلات جور الحاكم وأعوانه المدافعين عن سلطتهم الممتدة وحصانتهم المطلقة وامتيازاتهم الحصرية، كان للكثير من الأخطاء والتجاوزات دور في زيادة الآلام وامتدادها، ومن تلك الأخطاء التبريرات التي قلّلت من فاعلية التصحيح والترشيد حيث عملت في المواساة والتسكين كخمور ضيعت نباهة وفاعلية العقل الثوري في مواجهة مشكلاته والاستجابة لتحدياته وألبسته لباس العاجز المتواكل.  إلا أن عزاءنا الوحيد عندما سنقرأ تلك الآلام في ذاكرة الأحداث أنها كانت على طريق صناعة الوعي الجمعي الذي لا يأتي إلا بتراكم التجارب والقراءات الموضوعية لها.  ونرجو أن يكون في الموجة الثانية للثورة السورية هي تعبير عن فارق الوعي الذي اكتسبه أحرار سورية منذ انطلاقة الثورة في آذار/مارس 2011.

وكان من أبرز المعاول التي دكت كيانات الثورة ومصدات الأمواج التي ردت مياهها، صعود الشعارات الخاصة التي شتّتت الجهود الثورية وفتّتت دائرة نحن التي تشمل كل من عادى الظلم والطغيان لدوائر فئوية يصنف كل منها الأخريات في دائرة هم التي كان يفترض أن تنحصر في نظام الاستبداد وأعوانه.  ومع اشتداد الظلم تهيأت فئة من الحاضنة الشعبية للثورة لاحتضان أصحاب تلك المصالح الخاصة والتشكيلات الفئوية ورفع شعاراتهم التي تؤمن بعض أمور الحياة وأمنها.  وعادة تلك المشاريع الفئوية التي تجزؤ الأمة والشعب لأقليات سياسية متصارعة، أن تستنزف حاضنتها الشعبية في صراعها التنافسي مع غيرها على مساحة النفوذ واحتكار تمثيل الشعب والوصاية عليه حتى يأتي اليوم الذي تحترق فيه كل أوراق هذه التشكيلات الفئوية وتتبدد ثقة حاضنتها وتكفر بها قواعدها العاملة.

ومن بين التشكيلات الفئوية ستلقى التنظيمات المغالية والمتطرفة في سورية بحسب قراءة الأحداث التاريخية نفس المآلات التي انتهت إليها أخواتها، فإما أن تصل لتقيم دولتها التي تدكها كل القوى العالمية كما حصل مع ألمانيا النازية، أو أن تعلق في المنطقة التي تهيؤ لاستنزافها كما هيئت أفغانستان من قبل، أو أن تنطفئ جمرتها بعد أن تأكل بعضها بعضا بنار تذكيها المصالح الدولية والصراعات المحلية.  ويبقى السؤال المتاح، كيف نتفق على فكرة وعمل يصنع لبلدنا وشعبنا مستقبلا مختلفا بتصريف تلك التنظيمات المتطرفة أو تفتيتها؟

ولم تسلم الثورة من بروز الشعارات الفضفاضة التي رفعتها التشكيلات الفئوية وغيرها، وهذه الشعارات الفضفاضة إن لم تكن من معاول الهدم فإنها من اللّافتات المضللة والرايات العمية التي لا تعبُر بالمجتمع في ثورته على الطغيان.  وربما لا يدرك بعض من تبرق في عيونهم تلك الشعارات ممن يحمد نموذج “حزب العدالة والتنمية” ورجب طيب أردوغان، أن وراء نجاحه التخلي عن شعارات حزبه الأم “حزب السعادة” وأستاذه أربكان لصالح الواقعية السياسية.  والتخلي عن هذه الشعارات ورميها إلى جانب تلك الشعارات الفئوية، لا يعني التستر عليها وخفض الصوت بها وإنما طرح مضامينها جانبا بكشف هلامية ما تعبر عنه وتبديد الأوهام والأحلام التي تزينها والتفكير في مستوى العلاقات الدولية من منطلق السياسية الدبلوماسية (التفاوضية) بخصوص تقاطعات المصالح وصناعتها.

في ذلك اليوم الذي تطرح فيه الشعارات الفئوية ويبين زيف الشعارات الفضفاضة، يتاح الفضاء لصعود الفكرة البديلة في فرصة تاريخية تستغلها فكرة نضجت وتهيأت لإنتاج مسار مختلف يتشكل فيه مجتمع متسامح مع تنوعه، فكرة فيها صعود لتشكيلات متجاوزة للأيديولوجيات والعقائد ومتمحورة حول المطالب والبرامج التي تتجاوز التحيزات الشخصية والفئوية للتحيز لمصالح الشعب المجردة وللوطن الذي يعيش عليه.  هنيئا لمن يستطيع أن يعمل لذلك اليوم ويرقبه بحكمة حتى يعدّ نفسه ويوفر عليها.

وما زالت بعض الأفكار والهمم تتجه للتفكير في المشاريع الشمولية، كنوع استنساخ ومنافسة لأشباهها السابقة وكحلم بإصلاح الوضع كله على هوى أصحابها.  ولم يكن لتلك الهمم أن تتطلع لمثل ذلك إلا في حالة غياب عن الوعي بفشل تطبيقات تلك التجارب التي سعت في بناء المشاريع الشمولية وهي التي لا أنجزت وأمنت أهدافها التي قامت لأجلها ولا وفرت موارد وجهود الذي آمنوا بها واتبعوها.  في المقابل، كل ما يحتاج الفاعلون لتحديد أهدافهم والسعي لإنجازها منظور شامل لا تنظيم شمولي لا تكفيه أوقات ولا تسعفه موارد.  المنظور الشامل هو ما يحتاج المصلحون ليساعد كل فرد أو مجموعة منهم في اختيار العُقدِ التي يعملون على حلها، وفتائل الشموع التي يضيئونها، غشاوة الأبصار التي يكشفونها.

والتفكير النوعي لاختيار صناعة الحدث الفارق في خدمة الثورة السورية وفق المنظور الشامل ربما يكون بطرح بعض الأسئلة ومنها: ما الخطر الذي لو تمت التوعية به أو الفكرة التي لو تمت إضافتها أو الإشكال الذي لو تم نزعه أو الخطأ الذي لو تم تصحيحه لأعاد توجيه البوصلة وضبطها؟  إذا كان الهدف إحياء أهداف الثورة الأولى وتحرير تلك الروح الطيبة التي غيبت بما ران عليها من شعارات فئوية وضللت بما رفع من شعارات فضفاضة ومرضت بما تنازعها من مصالح ومكاسب خاصة لأشخاص أو مجموعات أو مناطق أو توجهات، ما هو الشيء الذي يمكن أن نقوم به لترشيد وإعادة فاعلية الثورة في تحقيق أهدافها؟

تبقى أسئلة التفكير النوعي في صناعة الحدث الفارق مفتوحة، لكن ما هي الروافع التي يرجح أنها ستسهم في تركيز الجهود باستراتيجية موجهة لإسقاط نظام الطغيان في سورية، وما هي الروافع التي تضبط توجيه الطاقات في انطلاقة الموجة الثانية لثورة الحرية والكرامة السورية؟  قد تتعدد الروافع لكن الثورة السورية تحتاج ثلاث رافعات أساسية تعمل في كل المجالات وعلى كل المستويات بعكس المعاول التي أوصلتها لما هي عليه اليوم من ضعف: العمل على توسيع وتعزيز تماسك دائرة “نحن” لتشمل كل من هو ضد طغيان النظام، والبحث في تفكيك وتفتيت دائرة “هم” المنحصرة في النظام وأعوانه مع الانتباه إلى ما يزيد من تماسكها أو اتساعها، ورعاية النقد الذاتي والمتبادل بغرض تعزيز قدرة الوصول “للوسيلة الذهبية” التي تهدي الأمم إلى الحل النموذجي في استجابتها للتحديات.

بقلم: نزار مشعل

تعليقات