مؤسّسة أكاديميّة بحثيّة فكريّة مستقلّة، غير حكومية، غير حزبية، تسعى للمساهمة في بناء حاضر ومستقبل سوريا

الغوطة أصعب من غروزني

4

للمرة الأولى لم تستخدم موسكو الفيتو في مجلس الأمن فصدر القرار الأممي 2401 بالإجماع. رغم التلاعب الروسي الذي أخر صدوره، ورغم التعديلات الجائرة على النص الأصلي، وخلوه من آلية للمراقبة ومن آلية العقوبات لمن سيخرقه، يعتبر القرار هدنة محدودة بالوقت، يؤخر مقتلة الغوطة 30 يوماً ما لم تتبلور علاجات لوقفها. لكنه قد يكون محطة مفتوحة على كل الاحتمالات. وكون مهلة مراجعته محددة بأسبوعين فقط فهذا يعني حتمية الانصياع له، مهما تمادى المجرمون الذين استفادوا من غض النظر الروسي، ورغم تهديدات رئيس الأركان الإيراني اللواء باقري بأن «طهران ودمشق ستواصلان الهجوم على الأجزاء التي يسيطر عليها (الإرهابيون) في ضواحي دمشق»!!

قرار الحرب على الغوطة الشرقية تلا «سوتشي» والفشل الذي انتهى إليه هذا المؤتمر. آنذاك منظمو «سوتشي» هددوا المعارضة التي قاطعت بثمن كبير، والوزير لافروف تحدث عن تجربة حلب وتكرارها في الغوطة، وتأمنت كل التغطية الجوية للحرب الوحشية التي اتخذت منذ اليوم الأول طابع الإبادة والاقتلاع الشامل، لاستكمال أكبر تغيير ديموغرافي في وسط سوريا وعلى أبواب دمشق، إنه هدف حكام طهران ورغبة رئيس النظام السوري الذي تبجح بعد اقتلاع أهالي داريا بأن «المجتمع بات أكثر تجانساً مما كان قبلاً»!!

لم تتوقع موسكو ومعها ميليشيات طهران وشبيحة النظام السوري كل هذا الصمود بوجه حملة عسكرية همجية، تستهدف منطقة محاصرة منذ خمس سنوات مُنع عنها الضوء وشربة الماء وحبة الدواء، وترافقت الحملة مع تصريح روسي بتجريب نحو 200 سلاح وذخيرة جديدة بالشعب السوري، وكذلك زج طائرات «سو 57»، وهي من الجيل الخامس ومن أحدث أسلحة الترسانة الجوية الروسية، في أبشع حرب إبادة تستهدف المدنيين أساساً، لكن معطيات الواقع جعلت جنرالات الجيش الروسي يكتشفون أن الغوطة أصعب وأعقد من مقتلة غروزني.

الأهالي عموماً، وقبل المسلحين، وهم الذين حفلت ذاكرتهم بمآسي الغوطة الغربية في داريا ووادي بردى و«اتفاقية» المدن الأربع، وقبلها حي الوعر وحمص وشرق حلب… إلخ، رفضوا كل صيغ الاقتلاع والتهجير وتمسكوا بالبقاء ولو تحت أنقاض بيوتهم، ووضعوا القتلة أمام تحدي ارتكاب إبادة لم تعرف كل الحرب السورية شبيهاً بها، ووضعوا العالم كله أمام غزارة صور الضحايا والأشلاء المتفحمة للأطفال، صور أرّقت قوى دولية لأسباب مختلفة، والأهم الكثير من صناع الرأي العام الذين عبّر عن خوفهم البابا فرنسيس في عظته الأحد الفائت بقوله: «فكري مشغول كثيراً هذه الأيام بسوريا الحبيبة التي تموت شهيدة»، مندداً بالمزاعم عن أن المستهدف عناصر إرهابية فأعلن: «لا يمكنك محاربة الشر بواسطة شر آخر»… إنها بعض الأسباب التي دفعت مجلس الأمن لاتخاذ القرار 2401 لكبح هذا الجنون، عندما تيقنت موسكو أن استكمال معركة الغوطة الآن ستكون مختلفة، وقد لا تنجو من ثمن التكلفة التي سيدفعها المدنيون، والعالم سئم الخطاب الروسي من أن أهالي الغوطة الضحايا هم من يتحمل المسؤولية عما يجري داخل دمشق، ما يعني تأجيل الإصرار الروسي على المضي في تغطية استكمال عملية التغيير الديموغرافي… لكن ما زال الرهان الروسي هو هو على خيار عسكري لفرض خيار سياسي، وأن أحداً في موسكو لم يبدأ مراجعة جدية.

بعد سبع سنوات من القتل والدمار والتجويع والاقتلاع والتهجير، هناك غياب حقيقي لأي مشروع حلٍ، والفرصة التي لاحت للروس بعد حلب وبعد السير في مناطق «خفض التصعيد» لتسوية بشروط روسية تلاشت، وعملية رسم مناطق النفوذ وحدود السيطرة للمتدخلين في الحرب التي تتم بالدم السوري، تبدو حصيلتها مخيفة، إذ أسفرت عن سقوط نحو 600 ألف قتيل، ومئات الألوف من المخفيين قسراً، ولا أحد يعلم نسبة الضحايا من بينهم الذين سقطوا تحت التعذيب، وهناك نحو 6 ملايين سوري من المهجرين خارج سوريا، وبضعة ملايين من المهجرين داخلها. هذه الحصيلة إلى تزايد مع تواصل الاقتلاع القسري والتغيير الديموغرافي، لأن حكام طهران في سعيهم لإحكام السيطرة على سوريا، وتثبيت الجسر البري بين الحدود العراقية شرقاً واللبنانية غرباً، أطلقوا مشروعاً استيطانياً في مناطق التهجير، لم تستطع طهران بعد جعله ظاهرة فبقي محدوداً، لكن المخاوف تتزايد من حملات التشييع وما تسفر عنه، وهي الحملات التي تنتشر من حلب إلى حماة وحمص، وكل الوسط السوري، ولا سيما الأرياف الفقيرة، حيث يتم وضع الجائعين أمام الإغراءات المالية من جهة، أو التهجير المسلط على الناس… ومعروفة هي ممارسات ونتائج حكايات التشييع بالترغيب التي انكشفت في مصر والسودان وما أدت إليه!!

القرار الأممي 2401 يجب ألا يكون مؤقتاً، لأن البديل أثمان كبيرة لن تقتصر على السوريين الذين دفعوا الكثير، وأكبر دليل أن روسيا رغم كل هذا الاستثمار في سوريا لم تضمن بعد أي أرباح، وكل ما نشهده من تمكين نظام قاتل من رقاب السوريين لم يحمل له الطمأنينة، لأن سوريا الآتية لا أحد يعرف أي صورة ستكون لها غداً، والعالم كله يخشى أن يخرج من تحت أنقاض الغوطة والمدن السورية التي يتم إخضاعها بعد تدميرها وتهجيرها جيل آخر؛ جيل غضب وثأر صنّعه الطغيان والتوحش الممارس ضد السوريين.

اسم الكاتب: حنا صالح
المصدر: الشرق الأوسط

تعليقات