مؤسّسة أكاديميّة بحثيّة فكريّة مستقلّة، غير حكومية، غير حزبية، تسعى للمساهمة في بناء حاضر ومستقبل سوريا

الاستدارة الأمريكية نحو تركيا.. التفاف تكتيكي أم عودة للتحالف الاستراتيجي؟

8

تميزت العلاقات التركية الأمريكية بالتقلب والتبدل المستمر صعودا وهبوطا، لكن جميع الصعوبات والعقبات والمشاكل لم تخرج تلك العلاقات عن دائرة التحالف الاستراتيجي، حيث لم تصل الخلافات بين البلدين إلى درجة القطيعة منذ تأسيس الجمهورية التركية إلى يومنا هذا.

المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية “هيذر نويرت” شبهت العلاقات التركية الأمريكية بحياة زوجين بينهما عقد قران. “تحدث بينهما مشادات، لكن في كل مرة يأسف كل منهما على ما بدر منه”، فهل جاء الدور على أمريكا هذه المرة في الأسف والاعتذار؟.

أمريكا اليوم أمام اختبار حقيقي قد يؤدي إلى خسارة تركيا كحليف استراتيجي، إن هي استمرت في تقديم الدعم اللامحدود للميليشيات الانفصالية في شمال سورية، تحت ذريعة الحرب على الإرهاب المتمثل في تنظيم داعش، وإن هي أصرت على الاستمرار في التعاطي السلبي مع القضية السورية.

تعلم واشنطن جيدا استحالة قبول أنقرة بكيان مسلح في شمال سورية مهما كان شكل ومسمى هذا الكيان، وتدرك واشنطن أيضا أن تركيا سوف تقاوم أي محاولة لتأسيس هذا الكيان مهما كان الثمن، لأنها تعتبره تهديدا مباشرا لأمنها الاستراتيجي.

وتعلم واشنطن يقينا أن ب ي د PYD ب ي ج YBG وقوات سورية الديمقراطية ما هي إلا مسميات مختلفة لكيان واحد اسمه بي كا كا PKK، الحزب الشيوعي الستاليني، المصنف على قوائم الإرهاب عالميا وأمريكيا أيضا.

وجاء اعتراف الأمريكان أكثر من مرة بعلمهم المسبق بالعلاقة العضوية بين هذه الميليشيات. جاء ذلك علنا في شهادة وزير الدفاع السابق أشتون كارتر أمام الكونجرس، حيث قال بالعبارة الصريحة بأنه يعلم أن PYD هو “فرع” للتنظيم الإرهابي PKK وأن PKK مصنف كتنظيم إرهابي في أمريكا كما غالبية دول العالم.

كذلك المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية “هيذر نويرت”، وفي معرض انتقادها لتركيا قالت : إن “تركيا أهملت الحرب على تنظيم داعش، وأعلنت الحرب على تنظيم بي كا كا”.. هكذا بكل وضوح، دون أن تأتي على ذكر PYD أو YBG!.

طبعا هذا اعتراف واضح من مسؤول عالي المستوى في الإدارة الأمريكية . لكن اللافت أكثر أنه لا “نويرت” ولا أحدا سواها من الإدارة الأمريكية، لم يصحح هذا الخطأ، الذي يبدو أنه كان مقصودا.

في عهد الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، بحثت واشنطن عن بندقية جاهزة للإيجار، تصل من خلالها لأهدافها في السيطرة على منابع الطاقة الواقعة شرقي وشمالي سورية، وهذه مناطق نشاط ميليشيات ب ي د/ بي كا كا . إضافة إلى أن فصائل الجيش السوري الحر، فضلا عن رفضها قتال عدواً سوى نظام الأسد، الذي ثارت ضده أساسا، لم تكن بالجاهزية العسكرية بالقدر الكافي الذي يبحث عنه الأمريكان، الذين وجدوا ضالتهم عند ميليشيات صالح مسلم المنظمة والمدربة عسكريا، والمستعدة لتنفيذ الأجندات المطلوبة خارجيا.

التوتر في العلاقات التركية الأمريكية ليس محصورا في دعم واشنطن للمنظمات الانفصالية فقط، إنما هناك عقبات أخرى تتمثل في الدعم الواضح والمكشوف الذي قدمته بعض المؤسسات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية للمحاولة الانقلابية الفاشلة. حيث لعبت قيادة قاعدة إنجيرليك دورا مهما في دعم الانقلابيين، مما اضطر السلطات التركية حينها لقطع التيار الكهربائي عنها.

كما يشكل رفض واشنطن طلب تركيا تسليم زعيم الكيان الموازي الإرهابي فتح الله كولن، الذي تتهمه أنقرة بقيادة المحاولة الانقلابية الفاشلة في 15 تموز 2016، أحد أهم أسباب التوتر في العلاقات بين البلدين.

وبينما تتذرع واشنطن باستقلال القضاء الأمريكي، ترد عليها أنقرة بقضية محاكمة رجل الأعمال التركي من أصل إيراني (رضا صراف)، حيث تم استدراجه ثم الاتفاق معه على الاعتراف بضلوع مسؤولين أتراك بخرق الحظر الأمريكي على إيران، حيث تؤكد تركيا بأنها عملية سياسية أكثر منها محاكمة قضائية.

وعقب إسقاط الطائرة الروسية من قبل عناصر في الجيش التركي ينتمون للكيان الموازي، الذي يقوده غولن من بنسلفانيا بأمريكا، وصلت تركيا إلى حافة الحرب مع روسيا، وخضعت لحالة من العزلة الخانقة، ولم تجد حكومة حزب العدالة والتنمية مخرجا منها سوى التوجه نحو موسكو التي كانت هي بدورها بحاجة ماسة لتركيا.

يعلم الأمريكان أنّ موسكو لا يمكنها اختراق الدائرة الاستراتيجية الأميركية، وأنَ بوتين رغم استغلاله توتر العلاقات بين أنقرة وواشنطن لن يتمكن من ضم أنقرة لطرفه كشريك استراتيجي، كما هو الحال مع طهران.

كما أن جمع تركيا مع إيران في حلف استراتيجي واحد عمل شبه مستحيل، لأسباب كثيرة منها ما هو تاريخي، ومنها اختلاف التوجهات وتعارض الأجندات على أكثر من صعيد، في سورية ولبنان وأذربيجان وغيرها.

بالنسبة لموسكو، يهمها التحالف مع إيران بالدرجة الأولى، وخصوصا في سورية، حيث يضمن لها وجود قوات برية تحت مختلف التسميات، تساهم في استمرار وجودها العسكري هناك، لأنّ سلاح الجوّ وحده لا يحسم معركة ولا يبني نصراً على الأرض. كذلك فإن الحلف الروسي – الإيراني يضمن لموسكو نجاحات وتقاطعات استراتيجية مهمة في المنطقة.

ذهاب الأمريكان بعيدا بإعلانهم عن تشكيل جيش قوامه 30 ألف عنصر يتم اختيارهم من “قوات سورية الديمقراطية” التي يشكل ب ي د / ي ب ج عمودها الفقري، بزعم حماية الحدود التركية السورية، جعل الكيل يطفح بتركيا، فاتخذت قرارها التاريخي بالبدء بعملية “غصن الزيتون” ضد تنظيم ب ي د/ بي كا كا / ي ب ج، المتمركز في عفرين، والذي لم يتوقف عن تهديد المدن الحدودية التركية.

صحيح أن العملية العسكرية التركية في عفرين شكلت صفعة قوية للأمريكان، حيت اتفقت أنقرة مع موسكو وليس واشنطن في الترتيب والإعداد لها. لكنها شكلت في الوقت ذاته منعطفا هامة في العلاقات بين أنقرة وواشنطن، حيث أجازتها واشنطن وإن على مضض، وأبدت تفهمها للهواجس التركية وحاجتها لتأمين حدودها.

وهذا يدل بوضوح على أن الأمريكان مستعدون للتخلي عن ب ي د/ بي كا كا / ي ب ج عندما يجد الجد، بل إن تصريح قادة البنتاغون بعدم وجود أي قوات لهم في منطقة عفرين فسر على أنه ضوء أخضر لأنقرة بأن تقوم بما تريد في عفرين.

أما الاعتراضات على استحياء والمطالبة بإنهاء العملية العسكرية بأسرع وقت ممكن، فما هي إلا ردود أفعال طبيعية لا تفسد للود قضية.

عدة أيام مضت على انطلاق عملية “غصن الزيتون ” في عفرين. مرت بسهولة لم تكن متوقعة، لكنها ربما تزداد صعوبة مع مرور الوقت، خصوصا مع توقعات بأن يتوسع العمل العسكري ليشمل منبج. لكن أنقرة ستتجاوز هذه المصاعب بفضل التحضيرات الجدية الكبيرة التي سبقت العملية، والتأييد الشعبي العارم الذي حظيت به، حيث أيد 83% من الشعب التركي عملية “غصن الزيتون” في عفرين.

القضية الأساسية هي أن أنقرة نجحت في إضفاء الشرعية الدولية على عمليتها العسكرية في عفرين، حيث رفض مجلس الأمن الدولي شجبها، أو اعتبارها اعتداء تركياً على الأراضي السورية.

كل ذلك تم بفضل الاستدارة الأمريكية نحو أنقرة، إذ كان بإمكان واشنطن التضييق على تركيا كما فعلت أيام العملية العسكرية التركية في جزيرة قبرص، بالنظر لوجود كثير من أوجه التشابه بين العمليتين.

  • اسم الكاتب:محمود عثمان
  • المصدر:الأناضول
تعليقات