مؤسّسة أكاديميّة بحثيّة فكريّة مستقلّة، غير حكومية، غير حزبية، تسعى للمساهمة في بناء حاضر ومستقبل سوريا

الأزمة السورية والتدخلات الأجنبية

12

يلاحظ بعض المتابعين لوسائل التواصل الاجتماعي ولا سيما على موقع «فيسبوك»، أن سوريين يضعون لافتات تشيد بالوجود الأجنبي ولا سيما العسكري في سوريا، الأمر الذي جعل بعضهم يذهب إلى قول، إن السوريين باتوا يرحبون باحتلال بلادهم من قبل دول وميليشيات مسلحة.

وللحق، فإن ثمة ما هو واقع في هذه الملاحظة. فبعد توسع عمليات القمع الدموي التي باشرها نظام الأسد قتلاً وجرحاً واعتقالاً للسوريين وحصاراً وتدميراً للمدن والقرى والأحياء الثائرة، ارتفعت أصوات سورية في أواخر عام 2011، تطالب بالتدخل الدولي من أجل لجم السياسة الدموية للنظام ووضع حد لها، فيما اتجه النظام للاستعانة بحلفائه الإيرانيين وميليشياتهم اللبنانية والعراقية والأفغانية والإيرانية لقمع حركة الاحتجاج الشعبي بعد أن عجز وحيداً عن فعل ذلك، وسط تزايد عدد ومساحة المناطق الخارجة عن سيطرته، وبهذا فتح الباب واسعاً أمام التدخل العسكري الأجنبي في البلاد.

وبطبيعة الحال، فقد طورت القوى الأجنبية تدخلاتها العسكرية في العامين الأخيرين وخصوصاً الحليفة لنظام الأسد. فبعد أن دفعت إيران بميليشياتها للقتال إلى جانب النظام في العامين الأولين 2011 – 2012 زاد عدد مستشاريها الأمنيين والعسكريين والتقنيين، ثم دفعت بقواتها من الحرس الثوري للقتال ضد جماعات المعارضة المسلحة، وبنت قواعد لها في عدد من المناطق السورية ولا سيما في ريفي دمشق وحمص، ومضت روسيا في خطوات مماثلة، فعززت وجودها العسكري والأمني والتقني، قبل أن ترسل قواتها البحرية والجوية أواخر عام 2015 للمشاركة الأوسع والأهم في الحرب، وقامت بتثبيت وجودها في قواعد برية وبحرية وجوية في مناطق سوريا الغربية ومطاراتها.

ومما لا شك فيه، أن تطورات الوجود العسكري لحلفاء النظام، وتأثيراته على الصراع في سوريا وحولها، دفع دولاً أخرى للبحث عن موطئ قدم على الأرض السورية، ولئن كان البعض منهم له وجود غير مباشر عبر علاقاته وصلاته بأطراف مسلحة مثل الولايات المتحدة، التي لها علاقات قوية مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (Pyd) وميليشياته من وحدات الحماية الكردية، وتركيا التي لها علاقات مع أغلب جماعات المعارضة المسلحة، فإن تلك الدول اندفعت باتجاه إرسال قواتها مباشرة إلى الداخل السوري، فأرسلت واشنطن إضافة إلى الخبراء والمستشارين جنوداً وأسلحة، وأقامت قواعد جوية وبرية في شمال شرقي سوريا، فيما دفعت تركيا بقواتها بالمشاركة مع جماعات المعارضة المسلحة في موجتين، كانت أولاهما عملية درع الفرات التي دخلت محيط جرابلس أواسط 2016، ثم عملية غصن الزيتون، التي توجهت إلى عفرين في 2018 لطرد وحدات الحماية الكردية من هناك التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (Pyd).

وباستثناء الوجود الأجنبي السابق والكبير نسبياً الذي بات يسيطر على غالبية الأراضي مباشرة، أو عبر حلفائه المحليين من قوات الأسد وقوات الحماية الكردية وتشكيلات المعارضة المسلحة، فإن هناك وجوداً عسكرياً مباشراً لدول أخرى لها علاقات ونفوذ على بعض التشكيلات المسلحة.
إن الانعكاس المباشر للتدخلات الأجنبية ولا سيما العسكرية على واقع الصراع السوري، جعل من سوريين ينظرون بشكل متفاوت لهذا الوجود. فبدا من الاعتيادي أن ينظر مؤيدو النظام إلى الروس والإيرانيين وميليشياتهم باعتبارهم حماة لهم ولنظامهم، وأن ينظروا للأتراك باعتبارهم قوة احتلال، وهو موقف يخالف كلياً نظرة فئات من معارضي النظام الذين يرون في الأتراك حلفاء لهم في مواجهة نظام الأسد وحلفائه من روس وإيرانيين وميليشيات باعتبارهم محتلين، خاصة في ضوء ما تم من اتفاقات جرى توقيعها بين النظام والطرفين الروسي والإيراني.

وبخلاف ما سبق، فإن الموقف من الوجود الأميركي بدا أكثر تعقيداً. ووحدهم أكراد (Pyd) وحلفاؤهم، كانوا متحمسين للوجود العسكري الأميركي باعتباره قوة دعمهم السياسي والعسكري في مواجهة الآخرين، وكانوا الأكثر شراسة في مواجهة الوجود العسكري التركي الذي يستهدفهم، ويعتبرهم «جماعة إرهابية» تمثل امتداداً لحزب العمال الكردي في تركيا (Pkk)، فيما يحيط الضباب بموقفهم من الوجودين الإيراني والروسي، بينما يعارض أغلب السوريين من النظام والمعارضة الوجود الأميركي من منطلقات ليست واحدة، أبرزها موقفهم من ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (Pyd).

وسط تلك اللوحة المعقدة من المواقف حيال الوجود العسكري الأجنبي، لا يمكن القول، إن السوريين أو جزءاً كبيراً منهم يرحب بالاحتلال الأجنبي لبلدهم، كما يلوح للبعض أو يتوهم. بل الأمر لا يتعدى صلة موقفهم بواقع الصراع السياسي والمسلح الذي صاروا إليه والذي تهددهم تداعياته بشراً وكياناً، تضاف إلى التدخلات الدولية والإقليمية العنيفة، التي اتخذت من بلدهم وأرضهم ميداناً لتصفية حساباتها، وخدمة استراتيجياتها في المنطقة.

ومما لا شك فيه، أن تلك الحيثيات، تجعل من أي مواقف سورية تتناغم مع إحدى قوى الوجود والاحتلال العسكري لأرض سورية، مواقف غير حقيقية، وغالباً هي مواقف «مؤقتة» مرهونة بوقف الحرب وعودة السلام إلى سوريا، التي كثيراً ما حفل تاريخها بما فيه الحديث باحتلالات أجنبية انحسرت، وشهدت انقسامات وصراعات داخلية انتهت، وكلتاهما دفعت السوريين بكل مكونات جماعتهم الوطنية إلى تأسيس كيانهم الواحد في منتصف ثلاثينات القرن الماضي، التي بلورت صورة سوريا، التي كانت عليها في عام 2011، والتي وإن قال البعض إنها لن تعود، فإن صورة سوريا المقبلة، لن تكون بعيدة كثيراً، عما كانت عليه كدولة مستقلة، فيها أغلب مكوناتها القومية والدينية والطائفية.

  • اسم الكاتب:فايز سارة
  • المصدر:الشرق الأوسط
تعليقات